من سؤال التأسيس إلى سؤال النهضة “إلى أين نسير؟”

28 سبتمبر 2026 14:20 1 دقيقة للقراءة 0 تعليق
من سؤال التأسيس إلى سؤال النهضة “إلى أين نسير؟”

بقلم : الولي سيدي هيبه

ليس كل سؤال يطرح من جديد يعني تكرارا للماضي، فبعض الأسئلة الكبرى تعود كلما دخلت الأمم مرحلة جديدة من تاريخها، لتختبر قدرتها على قراءة تجربتها واستيعاب تحولات حاضرها واستشراف مستقبلها.
ومن مدينة أطار، جاء سؤال فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، “إلى أين نسير؟”، مستحضرا في السياق نفسه سؤال الرئيس المؤسس المختار ولد داداه حول “موريتانيا التي نريد”. وهنا تكمن الدلالة الأعمق من المكان واحد، والسؤال في جوهره واحد، لكن الزمن تغير، وتغيرت معه الدولة والمجتمع والتحديات والآفاق.
فإذا كان سؤال المختار ولد داداه قد جاء في مرحلة تأسيس الدولة، حيث كانت الأولوية بناء الكيان الوطني وترسيخ مؤسساته وتحديد ملامح موريتانيا المستقلة، فإن سؤال اليوم يأتي بعد عقود من التجربة، ليضع أمامنا مسؤولية أخرى، كيف نحافظ على ما تحقق ونصحح ما يحتاج إلى تصحيح ونبني دولة قادرة على الاستجابة لمتطلبات موريتانيا الجديدة؟  وهذه، في تقديري، هي القيمة الفكرية والسياسية الأهم في إعادة طرح السؤال.
إنها دعوة إلى ألا ننظر إلى الدولة باعتبارها مشروعا مكتملا، وإنما باعتبارها مسارا متجددا يحتاج دائما إلى المراجعة والتطوير. فالمؤسسات التي استجابت لحاجات مجتمع الأمس مطالبة اليوم بأن تواكب مجتمعاً تغيرت تركيبته، واتسعت تطلعاته، وتعددت حاجاته، وأصبح أكثر اتصالاً بالعالم وأكثر وعياً بحقوقه ومسؤولياته.
ومن هنا يمكن قراءة رؤية الرئيس الغزواني باعتبارها دعوة إلى الانتقال من إدارة الحاضر إلى صناعة المستقبل؛ من الاكتفاء بتسيير الدولة إلى تطوير مؤسساتها، ومن معالجة التحديات الآنية إلى بناء شروط نهضة مستدامة.
والنهضة التي نحتاجها ليست نهضة عمرانية أو اقتصادية فقط، وإن كانت التنمية والبنية التحتية وتحسين الخدمات ركائز أساسية فيها، وإنما هي قبل ذلك نهضة في الإنسان والمؤسسة والعقل الوطني.
فلا يمكن لدولة أن تبني مستقبلا قويا دون مؤسسات راسخة، ولا يمكن للمؤسسات أن تؤدي دورها دون احترام القانون، ولا يمكن للديمقراطية أن تتطور دون ثقافة سياسية تجعل الاختلاف وسيلة للإثراء لا سببا للقطيعة.
ومن هذه الزاوية، فإن تثمين سؤال “إلى أين نسير؟” لا يعني اعتبار أن كل الإجابات قد اكتملت، بل يعني تقدير أهمية أن يفتح النقاش حول الاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه موريتانيا، وأن تكون الإجابة جماعية، مسؤولة، ومتصلة بواقع المواطن وتطلعاته.
ولعل من أهم ما يميز هذه الرؤية أنها تعيد الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها مشروعا يتجاوز الأشخاص والحكومات والمراحل السياسية حيث الأشخاص يتغيرون، والحكومات تتعاقب، لكن الدولة ومؤسساتها ومصالحها العليا يجب أن تظل ثابتة ومتطورة في آن واحد.
إن موريتانيا التي نريدها ليست فقط موريتانيا التي نحقق لها الطرق والمشاريع والمنشآت، وإنما موريتانيا التي يشعر فيها المواطن بأن القانون يحميه، والمؤسسة تخدمه، والتعليم يؤهله، والصحة تحفظ كرامته، والاقتصاد يفتح أمامه فرصاً حقيقية، والديمقراطية تمنحه حق المشاركة في صناعة مستقبله.
ومن هنا فإن “إلى أين نسير؟” ليس سؤالا موجها إلى السلطة وحدها، بل هو سؤال لكل الموريتانيين، إلى أي دولة نريد أن نصل؟ وأي مؤسسات نريد أن نترك للأجيال القادمة؟ وكيف نحول تجربتنا التاريخية، بما فيها من نجاحات وإخفاقات، إلى طاقة لبناء المستقبل؟
إن استحضار تجربة الرئيس المؤسس، المختار ولد داداه، من مدينة أطار، بعد أكثر من ستة عقود، يحمل رسالة بالغة الأهمية ترتكز حول فكرة أن بناء الدولة مشروع متواصل، وأن كل جيل مطالب بأن يضيف لبنة جديدة إلى هذا البناء.
ولذلك فإن الرؤية التي تضع المؤسسات، والتنمية، والوحدة الوطنية، والاستثمار في الإنسان، والحوار، واستشراف المستقبل في صلب النقاش الوطني، تستحق أن تتحول من عناوين عامة إلى مسار عملي تتشارك فيه الدولة والنخب والمجتمع والمواطن.
لقد كان سؤال الأمس “أي موريتانيا نريد”؟ واليوم يتجدد السؤال بصيغة أخرى “إلى أين تسير موريتانيا هذه”؟
والجواب الحقيقي لن يكون في الكلمات وحدها فقد، مهما كانت بليغة، وإنما في قدرتنا على تحويل الرؤية إلى عمل، والعمل إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى نتائج، والنتائج إلى مستقبل أكثر استقرارا وعدلا وازدهارا.
ومن أطار، حيث ارتبط السؤال في الذاكرة الوطنية ببدايات الدولة، يمكن أن يبدأ نقاش جديد حول موريتانيا المستقبل، التي تقرأ ماضيها بعمق، وتفهم حاضرها بواقعية، وتبني مستقبلها بثقة وعمل.

المدير الناشر
عرض جميع مقالاته →
اترك تعليقاً