مالي والنيجر.. حين يصنع القمع حربًا ويصنع الاعتراف مخرجًا

6 مايو 2026 15:56 1 دقيقة للقراءة 0 تعليق
مالي والنيجر.. حين يصنع القمع حربًا ويصنع الاعتراف مخرجًا

ليست مشكلة مالي في شمالها، بل في الطريقة التي قرأت بها شمالها منذ الاستقلال. تعاملت باماكو مع أزواد كمساحة أمنية متمردة منذ الاستقلال لا كشريك سياسي واجتماعي، فكان الجواب في الغالب دبابة قبل أن يكون مدرسة، وحملة عسكرية قبل أن يكون اعترافًا، ومركزًا متعاليًا قبل أن يكون دولة تتسع لأطرافها. لذلك لم تُنتج مالي سلامًا، أنتجت دورات متتابعة من الثورات، ثم فراغا دخلت منه الجماعات الإرهابية، كما يدخل اللص إلى بيت تُركت أبوابه مكسورة.

منذ ثورة 1963، تشكّلت في الشمال ذاكرة قاسية. تشير دراسات عن جذور الأزمة في شمال مالي إلى أن ردّ الدولة كان عسكريًا مفرطًا، شمل قتل الماشية وتسميم الآبار وتدمير الأشجار لدفع السكان إلى الخضوع وحرمان الثوار من الموارد، وهي ممارسات دفعت كثيرين إلى المنفى في الجزائر وليبيا، حيث تراكمت مرارات لاحقة غذّت ثورات التسعينيات وما بعدها. لم يكن ذلك مجرد حدث أمني قديم.. كان تأسيسًا نفسيًا وسياسيًا لفكرة أن باماكو لا ترى الشمال إلا من خلال البندقية.

ثم جاءت العقود اللاحقة لتؤكد القاعدة نفسها: وعود سلام لا تُنفذ، لامركزية مؤجلة، دمج ناقص، وتنمية تستخدم كشعار أكثر مما تتحول إلى مؤسسات. ومع عودة مقاتلين من ليبيا بعد 2011، كانت الأرض مهيأة لانفجار 2012: ليست لأن حلم الدولة ولد فجأة، بل لأن اليأس وصل إلى ساعة لم تعد فيها الوعود تقنع أحدا. دراسة سويدية قارنت مالي والنيجر خلصت إلى أن فشل مالي في تنفيذ اللامركزية وإعادة الإدماج كان من العوامل التي فتحت طريق التمرد عليها، بينما ساعد تنفيذ النيجر لسياسات مشابهة جزئيًا على تفادي الانفجار نفسه عام 2012.

في المقابل، لم تكن النيجر جنة سياسية، ولم تخلُ من اضطرابات أو تمردات أو هشاشة. لكنها فهمت مبكرًا أن الطوارق وبقية المكونات لا يمكن محوهم من الخريطة، ولا تحويلهم إلى رعايا مشتبه بهم إلى الأبد. اتفاق 1995 في النيجر نص على إدماج الطوارق في قوات الأمن والخدمة المدنية، والعفو عن المقاتلين، وتسريع اللامركزية لتنمية كل المناطق. وبعد سنوات، ظل إدماج المقاتلين السابقين في الجيش والدرك والحياة الاجتماعية محورًا في متابعة اتفاقات السلام، حتى وإن بقي التنفيذ ناقصًا ومتفاوتًا.

الفارق هنا ليس أن النيجر بلا مشاكل، بل أنها اختارت، في لحظات مفصلية، سياسة احتواء أسرع وأوضح: دمج في المؤسسات، فتح قنوات سياسية، توزيع نسبي للمواقع، ومحاولة الاعتراف بالمجتمعات الطرفية بوصفها جزءًا من الدولة لا تهديدا دائما لها. لذلك لم يتحول سؤال الطوارق فيها إلى جرح مفتوح بالحدة نفسها التي عرفتها مالي، رغم أن النيجر اليوم تواجه بدورها إرهابًا وانقلابًا وهشاشة حدودية.

أما مالي، فقد دفعت ثمن الإنكار مضاعفا، ثورات، إرهاب، تهجير، ومخيمات لجوء. تقول مفوضية اللاجئين إن النزوح القسري في مالي واصل الارتفاع، مع نحو 847 ألف شخص بين نازح ولاجئ وعديم جنسية بحلول أغسطس 2025. وفي موريتانيا وحدها، صار مخيم مبرة رمزًا لهذا الفشل؛ تقارير صحفية حديثة تحدثت عن أكثر من 120 ألف لاجئ مالي داخله، وعن عشرات الآلاف خارجه، كثيرون منهم من العرب والطوارق والفلان الفارين من العنف بين الجيش والجماعات المسلحة والقوات الروسية المتحالفة مع باماكو.

هنا أخطأت باماكو أخطر أخطائها، ظنت أن الشمال يمكن إخضاعه نهائيًا إذا كُسرت إرادته عسكريًا. لكن ما حدث أن القمع أنتج بيئة مثالية للإرهاب. الجماعات المتطرفة لم تخترع المظالم، بل ركبت عليها، كما ركبت موجات الغضب في بلدان من الربيع العربي حين فشلت الدول في الإصلاح ونجحت في القمع. وحين يشعر المواطن أن الدولة لا تسمعه إلا إذا حمل السلاح، فإن أول من يكسب ليس المواطن ولا الدولة، بل المتطرف الذي ينتظر هذه اللحظة لاستغلالها، اللحظة التي يستولي فيها الإرهاب على المشهد على حساب المظلومين بسبب تعنت الدولة.

العلاج لا يحتاج إلى سحر. يحتاج إلى شجاعة سياسية من السلطة القادمة في باماكو، الاعتراف بأن الشمال شريك لا هامش، وأن أزواد ليس ثكنة مفتوحة، وأن المظالم التاريخية ليست دعاية انفصالية بل مادة قابلة للانفجار إذا أُهملت. لا يمكن بناء مالي واحدة برصاص فاغنر، ولا بخرائط عسكرية، ولا بألغام الخوف. تبنى الدولة حين تعترف بأن أطرافها ليست عبئًا عليها، بل شرط بقائها. والدرس الأقسى من النيجر ليس أنها نجت تمامًا، بل أنها فهمت في لحظات كثيرة أن الاحتواء أقل كلفة من الحرب، وأن الاعتراف أرخص بكثير من المخيمات والمقابر والخرائط المحروقة.

بقلم: الكاتب الصحفي: عمر الأنصاري

المدير الناشر
عرض جميع مقالاته →

مقالات ذات صلة

هل نتجه إلى صياغة الوعي الجماعي

لا يمكن لأمة أن تنهض نهضةً حقيقية إنْ هي افتقرت إلى حيوية ثقافية في الكتابة والفنون، وخلت ساحتها...

28/4/2026 10:51 0

نعم للحوار المرتقب

ليس “الحوار” مجرد أداة لحل الخلافات، بل هو ركيزة أساسية لترسيخ قيم الديمقراطية ومشاركة الجميع الفاعلة في صنع...

30/6/2025 21:46 0

المعارضة الحاكمة بين أمانة الوطن وشهوة غنائم السلطة!

   بعد أكثر من عشرين عامًا على الغزو الأميركي للعراق وسقوط النظام السابق، تتجدد الأسئلة حول الدور الذي...

3/7/2025 20:32 0
اترك تعليقاً