كيف خسرت مالي جارتها الودودة موريتانيا؟
لم تكن حوادث حرق الشاحنات مؤخراً مجرد واقعة أمنية عابرة، بل كشفت مدى تفاقم الأزمة التي ضربت آخر الشرايين التجارية الحيوية بين موريتانيا والمغرب وشمال مالي، بعدما تحولت طرق كانت آمنة نسبياً إلى ساحة حرب مفتوحة، وانعكس ذلك سريعاً على سكان المناطق الشمالية الذين يشهدون هذه الأيام نقصاً متزايداً في المواد الغذائية والأولية.
إلى وقت قريب، كانت موريتانيا من أهم المنافذ الحدودية تجاه منطقة أزواد، حيث تتدفق قوافل الشاحنات التجارية القادمة من المغرب ومن الموانئ الموريتانية بشتى البضائع التي عرفت بها أسواق تمبكتو وغاو، وكانت نسبة كبيرة من هذه التجارة تدار من قبل عرب مالي الذين احترفوا التجارة منذ عصرها الذهبي، عبر قوافل رسمت ممرات تجارية تاريخية في الصحراء.
كانت موريتانيا رئة حقيقية للشمال، تمده بالبضائع، وتستقبل الباحثين عن الأمان، منذ فتحت حدودها دون قيود أمام موجات اللاجئين الأزواديين منذ عام 1991 وحتى اليوم، حيث تستضيف مئات الآلاف من الماليين، بينهم أكثر من 300 ألف لاجئ وطالب لجوء وفق تقديرات أممية حديثة، في الحوض الشرقي ومخيم امبره والقرى المضيفة.
وفضلاً عن الحدود المفتوحة، كانت موريتانيا من أهم وأوائل الدول التي تصدت لمحاربة الإرهاب على حدودها، فاستأصلت خطره مبكراً، وأحبطت خطط استغلال مجالها الحدودي من قبل الجماعات المتطرفة، وهي وقائع كنت شاهداً على بعض فصولها في رحلات ميدانية بدأت من موريتانيا ووصلت إلى أقصى نقطة في أزواد.
لكن السلطات العسكرية في مالي لم تتعامل مع هذا الاستقرار بوصفه فرصة للتعاون، بل بدت كأنها تنظر إلى المجال الحدودي كله باعتباره امتداداً لساحة حربها. فدأبت، عبر الجيش المالي وحلفائه الروس، أولاً فاغنر ثم الفيلق الأفريقي، على مضايقة ومطاردة الرعاة والتجار والمسافرين من أزواد إلى موريتانيا، وكذلك التجار القادمين ببضائعهم.
سُجلت في البداية حوادث قتل عدة ضد موريتانيين، رعاةً وتجاراً، ووصمتهم سلطات مالي بأنهم إرهابيون، ثم توالت حوادث القصف والاعتقال والمطاردة، بينها قصف سيارات لمهاجرين آخرها الأسبوع الماضي قرب تمبكتو. وبلغ التصعيد مداه حين طالت التحرشات المالية قرى ومناطق داخل الحدود الموريتانية، بل ذهبت باماكو أبعد من ذلك حين اتهمت موريتانيا بإيواء إرهابيين في مخيمات اللاجئين، في محاولة لتغطية فشلها الأمني وتبرير انتهاكاتها ضد جارتها.
ومع كل حادثة قتل أو توغل أو اتهام، كانت باماكو تضرب الشبكات المحلية التي أبقت الحدود حية لعقود: الرعاة، والتجار، وسكان الممرات، وشيوخ القبائل، واللاجئين. وحين تراجعت الثقة في الطريق، تقدمت الجماعات الإرهابية لتملأ الفراغ وتشد قبضتها على منطقة كانت في الأصل ممراً للتجارة والحياة.
اليوم، وبعد أعوام من هذا السلوك، جرّت محاولات الجيش المالي المنهك وحليفه الروسي للسيطرة على الحدود الموريتانية الجماعات الإرهابية إلى المنطقة، فتحولت طرق تجارية ظلت آمنة في أحلك الأوقات إلى محاور استهداف وحرق وحصار. وبدلاً من أن تبقى موريتانيا بوابة إنقاذ للشمال، أصبحت المنطقة المحاذية لها جزءاً من معركة أوسع، أوقفت حركة التبادل التجاري بين السكان، وحاصرت سكان أزواد في الداخل واللاجئين على الحدود.
انتهت سياسات باماكو هذه بخسارة أهم جار مدّ لها يد السلام والتعاون، وأهم حليف كان يمكن الاعتماد عليه في محاربة الإرهاب في المنطقة. فموريتانيا لم تكن مجرد دولة مجاورة، بل كانت رئة الشمال ومنفذه وسوقه وملاذه. لكن باماكو، بعدما تخلصت من معظم شركائها في مكافحة الإرهاب، جلبت قوات روسية تورطت معها في انتهاكات جسيمة ضد السكان المحليين، لتجد نفسها اليوم في عزلة متزايدة، بينما يتحول آخر شريان حيوي كان يربطها بشمالها إلى خط نار.
