حول قراءة في المؤتمر الصحفي لرئيس الجمهورية

26 يوليو 2026 19:31 1 دقيقة للقراءة 0 تعليق
حول قراءة في المؤتمر الصحفي لرئيس الجمهورية

بقلم : الولي سيدي هيبه

في مشروعية النقد وضرورة الدقة

لا خلاف على أن النقد، في الأنظمة الديمقراطية، ليس مجرد حق مشروع، بل هو أحد محركاتها الأساسية، بشرط أن يقوم على قراءة شاملة للنصوص، وتمحيص دقيق للسياقات والوقائع. غير أن القراءة التي صدرت عقب المؤتمر الصحفي لرئيس الجمهورية تبدو أقرب إلى الإسقاطات الأيديولوجية المسبقة منها إلى التحليل الموضوعي المتأني.

فما ذهب إليه السيد سامبا تيام من أن رئيس الجمهورية يسعى إلى طي ملف الإرث الإنساني دون الاعتراف بجذوره التاريخية، لا يعدو أن يكون اجتزاءً للخطاب، ذلك أن سياق تصريحات الرئيس ينفي هذا الاستنتاج بوضوح. ففي قضية بهذه الحساسية، لا تقع مسؤولية رجل الدولة في إبقاء الجراح مفتوحة إلى ما لا نهاية، ولا في الاكتفاء باستحضار الذاكرة، بل في تقديم معالجات قانونية ومادية ورمزية توازي حجم المعاناة التي تكبدها المتضررون. وهذا ما أكده رئيس الجمهورية حين جدد التزامه بمواصلة معالجة هذا الملف بروح من السكينة والعدل والمسؤولية، خدمة للمصلحة العليا للوطن.

أما استحضار مظالم أخرى تعرض لها موريتانيون، على المستوى الفردي أو الجماعي، فليس خلطاً بين القضايا، بل يعكس رؤية جمهورية للعدالة تقوم على أن كل مظلمة ثابتة تستحق الاعتراف والإنصاف، من دون أن يؤدي ذلك إلى الانتقاص من خصوصية ملف الإرث الإنساني أو التقليل من أهميته. فالجمهورية لا تخون ذاكرة حين تكرم أخرى، بل تؤكد قدرتها على تحقيق الإنصاف بين جميع مواطنيها.

ومن الخطأ أيضا تصوير التقدم المحرز في هذا الملف على أنه يتعارض مع آفاق الحوار الوطني الشامل، ذلك أن الحوار لا يهدف إلى تعطيل عمل الدولة أو تعليق الإصلاحات ريثما ينتهي، ولا إلى نسف المكاسب المحققة، بل يهدف إلى تعزيزها، وتوسيع دائرة التوافق حولها، وتحسين آليات تنفيذها. فالحوار والعمل ليسا مسارين متضادين، بل عنصران متكاملان في دينامية واحدة؛ يمنح الأول الإصلاحات مزيدا من الشرعية والقبول المجتمعي، بينما يوفر الثاني ترجمتها العملية في خدمة الصالح العام.

أما التكهنات المتعلقة بإمكانية حدوث تغيير في المسار الدستوري، فلا تستند إلى أي دليل ملموس. فمنذ توليه مهام رئاسة الجمهورية، لم يفتأ الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يؤكد تمسكه بالدستور، واحترامه للاستحقاقات الانتخابية، وإيمانه بدولة القانون والمؤسسات. وفي أي نظام ديمقراطي، يظل التداول على السلطة خاضعا للنصوص الدستورية والمواعيد الانتخابية، لا للتأويلات السياسية ولا للأحكام المسبقة.

وفي الشأن الإعلامي، تبدو الانتقادات الموجهة إلى الصحافة مبالغا فيها. فالمؤتمر الصحفي، بحكم طبيعته والزمن المخصص له، لا يمكن أن يستوعب جميع القضايا الوطنية. وقد مارس الصحفيون الحاضرون مهنتهم باستقلالية، وفق تقديراتهم المهنية واختياراتهم التحريرية. أما اعتبار غياب بعض الأسئلة دليلا على وجود صمت منظم، فهو أقرب إلى الجدل السياسي منه إلى الملاحظة الموضوعية.

إن الدرس الحقيقي الذي أفرزه هذا المؤتمر يكمن في صورة رئيس متاح للرأي العام، متمكن من ملفاته، يجيب بهدوء ودقة عن أسئلة الصحفيين، دون مواربة أو تهرب من القضايا الحساسة. كما أكد هذا اللقاء نهجا واضحا في الحكم، يقوم على الشفافية والحوار والبحث عن حلول عملية تستجيب لتطلعات المواطنين.

أما الذين لا يزالون يرون في هذا المؤتمر مجرد غموض أو تناقض، فيبدو أنهم أسرى قوالبهم الفكرية المسبقة أكثر من استنادهم إلى نصوص التصريحات وروحها. فالديمقراطية لا تزدهر بالاختزال المخل ولا بثقافة الارتياب الدائم، وإنما تتقدم حين يقوم النقاش العمومي على الوقائع، وحسن النية، والسعي المشترك إلى تحقيق المصلحة العامة. وتلك هي القاعدة الفكرية والأخلاقية التي ينبغي أن يحتكم إليها كل من يريد الإسهام بصدق في بناء مستقبل وطننا.

المدير الناشر
عرض جميع مقالاته →
اترك تعليقاً