مالي تعتمد مرجعية لمواجهة التطرف… فهل تعالج جذور الأزمة أم تداعيات المقاربة الروسية؟
اعتمدت مالي وثيقة وطنية جديدة لتفكيك الخطاب المتطرف ومواجهة توظيف مفاهيم دينية من بينها الشريعة والولاء والبراء والجهاد في تبرير أعمال العنف والإرهاب في خطوة تسعى السلطات من خلالها إلى تعزيز المقاربة الفكرية والدينية لمواجهة الجماعات المسلحة.
واختُتمت اليوم الخميس في مركز باماكو الدولي للمؤتمرات أعمال ورشة إقليمية نظمها المجلس الأعلى الإسلامي في مالي بالتعاون مع وزارة الشؤون الدينية والعبادة والعادات بمشاركة علماء وأئمة وخبراء من مالي والنيجر وبوركينا فاسو وموريتانيا والمغرب وتشاد.
وأكد وزير الشؤون الدينية والعبادة والعادات محمد كوني أن الوثيقة تمثل محاولة لبناء مرجعية دينية قادرة على مواجهة التأويلات المتطرفة التي تستغل الدين لاستقطاب الشباب وتبرير استهداف المدنيين والمجتمعات المحلية.
وشدد كوني على أن مواجهة التطرف لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الأمنية داعيًا إلى اعتماد مقاربة تربوية واجتماعية وثقافية واقتصادية وروحية إلى جانب تعزيز حضور العلماء في الفضاء الرقمي لمواجهة الدعاية المتطرفة.
وتأتي هذه المبادرة في وقت تواجه فيه مالي تحديات أمنية متواصلة رغم إعادة تشكيل سياستها الدفاعية والأمنية خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد تقليص التعاون مع الشركاء الغربيين والاعتماد المتزايد على روسيا ومقاتلي Africa Corps المرتبطين بالمنظومة الأمنية الروسية.
ويطرح هذا التحول تساؤلات بشأن حدود المقاربة الأمنية التي تبنتها السلطات المالية منذ وصول العسكريين إلى السلطة إذ إن الاستعانة بالدعم العسكري الروسي لم تؤدِ حتى الآن، إلى إنهاء التهديدات المسلحة، فيما لا تزال مناطق واسعة من البلاد تواجه نشاط الجماعات الجهادية وأزمات إنسانية واجتماعية متفاقمة.
ومن هذه الزاوية، تبدو الوثيقة الدينية الجديدة اعترافًا ضمنيًا بأن معالجة الأزمة المالية لا يمكن أن تقوم على القوة العسكرية وحدها، وأن مكافحة التطرف تتطلب معالجة بيئة اجتماعية وفكرية واقتصادية تستغلها الجماعات المسلحة في عمليات التجنيد والاستقطاب.
ويرى منظمو الورشة أن تحويل الوثيقة إلى مرجعية عملية داخل المساجد والمدارس الدينية والمجتمعات المحلية قد يساعد في تحصين الشباب من الخطابات المتشددة، غير أن نجاحها سيبقى مرتبطًا بقدرة الدولة على توفير التعليم والفرص الاقتصادية والخدمات الأساسية وتعزيز الثقة بين السكان ومؤسسات الدولة.
كما شدد الوزير على ضرورة تحويل الوثيقة من مجرد نص نظري إلى برنامج عملي للتوعية والتكوين والمتابعة مؤكدًا أن السلام المستدام في مالي يتطلب مشاركة العلماء والشباب والنساء والقيادات التقليدية والمجتمع المدني إلى جانب مؤسسات الدولة.
وتكتسب المبادرة بعدًا إقليميًا بالنظر إلى مشاركة دول الساحل خصوصًا النيجر وبوركينا فاسو حيث تواجه حكومات تحالف دول الساحل تحديات أمنية متشابهة وتراهن بدرجات متفاوتة على التعاون مع موسكو.
لكن اعتماد مرجعية فكرية لمواجهة التطرف يسلط الضوء في الوقت نفسه على مفارقة السياسة المالية الحالية: فبينما تحاول باماكو معالجة الجذور الفكرية للتطرف فإنها تراهن أمنيًا على شريك روسي لم تُنهِ شراكته معها التهديدات المسلحة المتصاعدة في البلاد.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام السلطات المالية هو الانتقال من الوثائق والتصريحات إلى سياسات متكاملة تعالج أسباب التطرف وتعيد بناء الثقة والاستقرار بدل الاكتفاء بتغيير الشركاء العسكريين دون معالجة العوامل التي أبقت الأزمة الأمنية مفتوحة لسنوات.
