الإنصاف من مكتسبات المسار إلى استحقاقات مرحلة جديدة

14 سبتمبر 2026 08:54 1 دقيقة للقراءة 0 تعليق
الإنصاف من مكتسبات المسار إلى استحقاقات مرحلة جديدة

بقلم : الولي سيدي هيبه
في المشهد السياسي الموريتاني، حيث تتداخل التحولات الداخلية مع الاستحقاقات المنتظرة، وتتقاطع الحاجة إلى تثبيت المكتسبات التي راكمتها البلاد خلال المرحلة الماضية مع ضرورة الاستعداد الواعي لما تفرضه المرحلة المقبلة من رهانات سياسية وتنظيمية، جاءت الدورة العادية الثالثة للمكتب السياسي لحزب الإنصاف في سياق يؤكد حيوية الحزب وقدرته على مواكبة التحولات والاستعداد المبكر للاستحقاقات المقبلة، فلم تكن مجرد محطة دورية تضاف إلى سجل الاجتماعات الحزبية، ولا مناسبة تنظيمية تنتهي بانتهاء جدول أعمالها، وإنما مثلت، من خلال طبيعة الملفات التي ناقشتها واتساع دائرة القضايا التي انشغلت بها، محطة سياسية وتنظيمية مهمة لإعادة قراءة المسار، وتثمين ما تحقق، والوقوف على ما يتطلب مزيدا من التطوير، وضبط الأولويات، وتعزيز الجاهزية، وترتيب أوراق المرحلة المقبلة، بما يعكس حرص حزب الإنصاف على ترسيخ حضوره السياسي والمؤسسي، وتطوير أدائه، والانتقال بعمله من مرحلة تثبيت البناء ومراكمة التجربة إلى مرحلة أكثر تقدما في الفعل السياسي والتنظيمي، عنوانها الجاهزية والفاعلية والقدرة على مواكبة استحقاقات المستقبل.إن انعقاد الدورة برئاسة رئيس الحزب محمد بلال مسعود، وبحضور معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي ورئيس الجمعية الوطنية محمد بمب ولد مكت، إلى جانب عدد من أعضاء المكتب السياسي وقيادات الحزب، يضفي على المناسبة دلالة تتجاوز حدود التداول في الشأن الداخلي للحزب، إذ إن هذا الحضور الذي يجمع بين القيادة الحزبية والمسؤولية التنفيذية والتمثيل البرلماني يعكس، في أحد أبعاده، طبيعة الموقع الذي يحتله الحزب داخل المشهد السياسي والمؤسسي، ويجعل من النقاشات التي تحتضنها الدورة ذات صلة أوسع بالسياق الوطني العام، خصوصا حين يتعلق الأمر بتقييم الأداء السياسي والتنظيمي واستشراف المرحلة المقبلة وما قد تفرضه من استحقاقات وحاجات جديدة إلى التنسيق والجاهزية.
وتزداد أهمية هذه الدورة بالنظر إلى أن جدول أعمالها الذي لم ينطلق من الرغبة في استعراض ما أنجز فحسب، وإنما أيضا من الحاجة إلى وضع التجربة السابقة تحت مجهر التقييم، من خلال مراجعة تنفيذ مقررات الدورات السابقة وقياس مستوى تطبيق برنامج العمل خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة، وهو ما يعني أن الرهان الحقيقي لا يكمن في انعقاد الاجتماع بحد ذاته، وإنما في قدرة الحزب على الانتقال من منطق إصدار المقررات إلى منطق متابعتها وقياس أثرها، ومن تسجيل ما تحقق إلى تحديد ما تعثر وأسباب تعثره، ثم تحويل نتائج التقييم إلى قرارات تصحيحية قادرة على دفع الأداء إلى الأمام، ذلك أن أي تقييم لا يفضي إلى تصحيح المسار يظل أقرب إلى جرد إداري للوقائع منه إلى ممارسة سياسية واعية بمقتضيات المراجعة والمساءلة الداخلية.
ومن هنا تكتسب محاور الدورة دلالتها الأوسع، لأنها تكشف عن بعد النظر إلى العمل الحزبي باعتباره منظومة متكاملة لا يمكن اختزالها في النشاط السياسي وحده، ولا في انتظام الهياكل وحده، ولا في أدوات التواصل وحدها، وإنما تقوم على تفاعل ثلاثة أبعاد مترابطة، يتمثل أولها في الحضور السياسي والانخراط في القضايا الوطنية، وثانيها في البناء التنظيمي ورفع كفاءة الهياكل وتحسين أدائها، وثالثها في البعد المجتمعي الذي يقتضي تطوير أدوات التواصل وتعميق الصلة بالمواطنين وبمختلف الفاعلين في المجالين الوطني والمحلي؛ إذ لا يمكن لحزب أن يحافظ على فعاليته السياسية إذا ظل تنظيمه عاجزا عن ترجمة توجهاته، كما لا يمكن لتنظيم مهما بلغت درجة انضباطه أن يتحول إلى قوة سياسية مؤثرة إذا لم يمتلك خطابا واضحا وأدوات فعالة للتواصل والحضور داخل المجتمع.
ولعل هذا التكامل بين السياسة والتنظيم والتواصل يعكس وعيا متزايدا بأن العمل الحزبي في مراحله الحديثة لم يعد قائما على الخطاب وحده، ولا على الحضور المناسباتي، وإنما يحتاج إلى بنية تنظيمية قادرة على إنتاج المعلومة وتداولها وتوظيفها، وعلى متابعة الأداء من القاعدة إلى القيادة، وعلى تحويل التوجه السياسي إلى ممارسة يومية قابلة للقياس، لأن الخطاب، مهما كان قويا، يفقد كثيرا من أثره إذا لم تسنده آليات تنظيمية قادرة على حمله وترجمته، والتنظيم، مهما كان محكما، يظل هيكلا بلا روح إذا لم يمتلك رؤية سياسية وخطابا قادرا على مخاطبة المجتمع والتفاعل مع تحولاته.
وفي هذا السياق يبرز الحوار المرتقب باعتباره أحد العناوين السياسية الأكثر أهمية في المرحلة الراهنة، لا باعتباره مجرد ملف إضافي ضمن جدول الأعمال، وإنما باعتباره استحقاقا سياسيا يقتضي من الحزب بلورة رؤية واضحة بشأن أهدافه ومضامينه وموقعه منه، بالتوازي مع قراءة مستجدات الوضع السياسي الوطني، بما يسمح له بالدخول إلى النقاش العام وهو أكثر استعدادا لتقديم تصوراته والدفاع عن أولوياته والمساهمة في صياغة التفاهمات التي يمكن أن تخرج بها المرحلة لأن الحوار، في هذا المنظور، لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مناسبة لاستكمال المشهد السياسي فحسب، وإنما باعتباره مجالا لإنتاج التفاهمات وتحديد الأولويات وفتح مساحات جديدة للتوافق حول القضايا التي تتصل بمستقبل البلاد واستقرارها ومسارها التنموي.
وهنا تحديدا يكمن الفارق بين المشاركة الشكلية والفعل السياسي المؤثر، إذ إن حضور الحوار لا يكتسب قيمته بمجرد الجلوس إلى طاولة النقاش، وإنما بامتلاك القدرة على تقديم الأفكار، والدخول إلى مساحة التفاهمات من موقع سياسي واضح، والمساهمة في صياغة المخرجات بدل الاكتفاء بالتفاعل معها بعد صدورها؛ ومن ثم فإن التحدي الذي يواجه حزب الإنصاف لا يتمثل فقط في أن يكون حاضرا في الاستحقاق المقبل، وإنما في أن يكون حاضرا بوضوح رؤيته، وبقدرة تنظيمه، وبما يمتلكه من رصيد سياسي ومؤسسي كبير يؤهله للمساهمة الفعلية في تشكيل ملامح المرحلة المقبلة.
أما على المستوى التنظيمي، فتكتسب المنصة الرقمية الخاصة بنظام المعلومات الحزبي أهمية تتجاوز بعدها التقني المباشر، لأنها تعكس توجها نحو تحديث أدوات التسيير وربط مختلف مستويات الحزب بمنظومة معلوماتية أكثر انتظاما، بما يتيح تحسين التواصل الداخلي، وتوفير قاعدة بيانات أكثر دقة، ومتابعة الأداء بصورة مستمرة، وربط القيادة بمختلف الهياكل والفاعلين الحزبيين على نحو يقلل من فجوات المعلومة ويجعل القرار التنظيمي أكثر اتصالا بالواقع الميداني.
وهذا الانتقال من الإدارة التقليدية للمعلومة إلى إدارتها ضمن منظومة رقمية ليس مجرد ترف تقني، وإنما يمثل، إذا أحسن استثماره، تحولا في طريقة بناء المؤسسة الحزبية نفسها، لأن الحزب الذي يمتلك ذاكرة تنظيمية موثقة وقاعدة بيانات دقيقة وآليات منتظمة لمتابعة الأداء يكون أقدر على اتخاذ القرار في ضوء المعطيات، وأقدر على رصد نقاط القوة والضعف، وأكثر قدرة على الانتقال من ردود الفعل إلى الاستباق؛ فالمنصة الرقمية، في جوهرها، ليست شاشة أو قاعدة بيانات فحسب، وإنما يمكن أن تصبح أداة لبناء ذاكرة مؤسسية وتراكم الخبرة، وجسرا يصل القيادة بالقاعدة، ووسيلة تجعل المعلومة جزءا من صناعة القرار لا مجرد معطى متداول بين الأفراد.
وبذلك تتحرك الدورة الثالثة للمكتب السياسي في ثلاثة اتجاهات متوازية ومتكاملة: اتجاه أول يعود إلى المرحلة الماضية من أجل تقييم ما تحقق وتصحيح ما يحتاج إلى مراجعة، واتجاه ثان يتطلع إلى المرحلة السياسية المقبلة من خلال بلورة رؤية للحوار وقراءة المستجدات والاستعداد للاستحقاقات القادمة، واتجاه ثالث يتجه إلى الداخل التنظيمي من خلال تحديث الأدوات والهياكل وتعزيز القدرة على إدارة الحزب وفق منطق أكثر مؤسسية. وتكمن أهمية هذا التوازي في أن أيا من هذه المسارات لا يستطيع أن يحقق غايته منفردا، لأن التقييم الذي لا يتحول إلى أداء يبقى ناقصا، والتخطيط السياسي الذي لا تسنده مؤسسة منظمة يظل محدود الأثر، والهيكلة التي لا تنتج حضورا سياسيا واجتماعيا تتحول مع الوقت إلى غاية في ذاتها بدل أن تكون وسيلة للفعل.
ومن هذه الزاوية، فإن مراجعة مقررات الدورات السابقة وبرنامج الأشهر الثمانية ينبغي ألا تتوقف عند حدود معرفة ما أنجز وما لم ينجز، بل أن تتحول إلى عملية تصحيح حقيقية تعيد ترتيب الأولويات وتحدد المسؤوليات وآليات المتابعة، كما أن بحث الحوار والمستجدات السياسية ينبغي أن يفضي إلى استعداد سياسي ملموس لا إلى مجرد توصيف للمرحلة، فيما يفترض أن تتجاوز المنصة الرقمية مجرد تحديث الوسائل إلى بناء انتظام مؤسسي قادر على إنتاج حضور أكثر فعالية واستمرارية؛ وبذلك يصبح المعيار الحقيقي لنجاح الدورة هو قدرتها على تحويل المراجعة إلى تصحيح، والتخطيط إلى أداء، والتحديث التنظيمي إلى حضور سياسي ومجتمعي أكثر تأثيرا.
وفي هذا الإطار أيضا يندرج انتخاب عضو جديد في اللجنة الدائمة ضمن استكمال البناء المؤسسي وضمان انتظام الهياكل ومواصلة عملها، وهي خطوة قد تبدو إجرائية في ظاهرها، لكنها تكتسب أهميتها من ارتباطها بمسألة أوسع تتمثل في قدرة المؤسسة الحزبية على تجديد نفسها والمحافظة على انتظام أجهزتها وتدوير المسؤوليات داخلها بما يضمن استمرارية العمل وتراكم الخبرة؛ فالمؤسسة الحزبية لا تقاس فقط بعدد هياكلها، وإنما بقدرتها على جعل تلك الهياكل أدوات حقيقية للفعل والتنسيق والمتابعة، وعلى ضمان أن يتحول التنظيم من مجرد هيكل قائم إلى مؤسسة تتراكم داخلها التجربة وتستقر فيها قواعد العمل.
ومن ثم فإن الدورة الثالثة للمكتب السياسي لحزب الإنصاف أقرب إلى محطة لإعادة ترتيب الأوراق وتحديد اتجاه البوصلة منها إلى اجتماع دوري بالمعنى التقليدي، فهي تنظر إلى ما مضى بعين التقييم، وإلى ما هو آت بعين الاستعداد، وتسعى في الوقت نفسه إلى الوصل بين المتطلبات السياسية للمرحلة المقبلة وتطوير الأدوات التي تمكن الحزب من مواكبتها والانتقال من مرحلة تثبيت الهياكل ومراكمة النشاط إلى مرحلة يصبح فيها التنظيم أكثر قدرة على إنتاج السياسة، والسياسة أكثر قدرة على التواصل مع المجتمع، والحضور أكثر ارتباطا بالأداء والنتائج.
إنها، في المحصلة، لحظة مراجعة للذات السياسية والتنظيمية، يختبر فيها الحزب مدى قدرته على قراءة تجربته بقدر من الواقعية، وعلى استيعاب التحولات المحيطة به، وعلى الاستعداد لمرحلة سياسية جديدة تتطلب مرونة أكبر في الحركة ووضوحا أكبر في الرؤية وقدرة أعلى على تحويل القرارات إلى أفعال؛ غير أن القيمة الفعلية لهذه المحطة لن تحددها كثافة محاورها، ولا مستوى الحضور فيها، ولا ما ستصدره من عبارات عامة، وإنما سيحددها ما ستنتجه من قرارات قابلة للتنفيذ، وما ستضعه من آليات للمتابعة، وما ستحدثه من أثر في أداء الحزب وعلاقته بمحيطه السياسي والمجتمعي.
فالمحطات المفصلية لا تقاس في لحظة انعقادها، وإنما بما تتركه بعدها من أثر، ولا تثبت أهميتها بكثرة ما يقال فيها، وإنما بما يتحول من كلام إلى قرار، ومن قرار إلى ممارسة، ومن ممارسة إلى نتائج، ومن هنا فإن الرهان الحقيقي أمام حزب الإنصاف ليس فقط أن ينجح في قراءة المرحلة، وإنما أن يثبت قدرته على الانتقال من القراءة إلى الفعل، ومن تقييم المسار إلى التصحيح، ومن الاستعداد للمرحلة الجديدة إلى الأداء الفعلي في تشكيلها.

المدير الناشر
عرض جميع مقالاته →
اترك تعليقاً