د. الشيخ سيدي عبد الله.. صرامة الناقد وحساسية الشاعر

23 سبتمبر 2026 12:50 1 دقيقة للقراءة 0 تعليق
د. الشيخ سيدي عبد الله.. صرامة الناقد وحساسية الشاعر

بقلم : الولي سيدي هيبه
..حين يكون رفيق السفر شاعرا وناقدا وباحثا متمكنا، يتحول الطريق إلى امتداد للمكتبة، ويغدو الحوار وجها آخر من وجوه القراءة. وقد كان ممتعا أن أكتشف أن الحديث عن الأدب معه لا ينتهي بانتهاء اللحظة، وأن الثقافة ليست لديه موعدا عابرا مع المنابر، بل انشغالا دائما، وفضاء مفتوحا للتأمل والحوار وتبادل الأفكار..

يعد الدكتور الشيخ سيدي عبد الله من الوجوه الثقافية والأدبية الحاضرة بقوة في المشهد الثقافي الموريتاني، حضورا يتجاوز حدود التخصص الأكاديمي، وينفتح على فضاءات النقد والبحث والتدريس والشعر، وعلى مختلف المنابر التي تعنى بالأدب والثقافة وقضايا الفكر والتراث. وهو حضور لم يتشكل من مجال واحد، ولا يمكن اختصاره في صفة محددة، ذلك أن تجربته تبدو أقرب إلى مشروع ثقافي متعدد المسارات، تتفاعل داخله المعرفة الأكاديمية مع الحس الأدبي، ويتجاور فيه الناقد والباحث والشاعر والمثقف.

فالشيخ سيدي عبد الله ليس مجرد أستاذ جامعي ينظر إلى الأدب من موقع التخصص، ولا مجرد ناقد يتعامل مع النصوص من خارج تجربتها الجمالية، بل هو مثقف جعل من الأدب مجالا واسعا للمعرفة والحوار والتأمل. ولذلك فإن اهتمامه بالنقد، تدريسا وبحثا وممارسة، لا ينفصل عن علاقته العميقة بالنص الأدبي، ولا عن انفتاحه على التراث والأسئلة الثقافية التي رافقت تشكل الأدب الموريتاني وتطوره.

ومن خلال حضوره في الندوات والمحاضرات والملتقيات والمهرجانات الثقافية، داخل موريتانيا وخارجها، تتجلى شخصية الباحث الذي لا يكتفي باستعادة المعرفة، بل يسعى إلى إعادة ترتيبها وربط عناصرها بعضها ببعض. فهو حين يتحدث عن نص أو شاعر أو مرحلة أدبية، يستحضر السياق التاريخي والثقافي، ويضع التجربة في إطارها العام، بما يجعل الحديث عن الأدب حديثا عن الإنسان والزمان والمكان والذاكرة.

ولعل أجمل ما تكشفه الصحبة عن الإنسان تلك الجوانب التي لا تظهر كاملة في اللقاءات العابرة، ولا في الصور التي ترسمها المنابر والواجهات. فالمرء قد يعرف شخصا من خلال تخصصه أو كتاباته أو حضوره العام، لكنه لا يكتشف أبعاده الحقيقية إلا حين تجمعه به الصحبة والسفر والحوار الطويل.

وقد أتاحت لي رحلة جمعتني به إلى بغداد فرصة من هذا النوع. وكانت بغداد يومها تعيش أجواء احتفائها بلقب عاصمة الثقافة العربية لعام 2013، في إطار مشروع عواصم الثقافة العربية الذي يمنح كل عام مدينة عربية مساحة للاحتفاء بتراثها وأدبها وفنونها، وتنظيم الفعاليات والملتقيات والمعارض والبرامج الثقافية. وقد افتتحت فعاليات بغداد عاصمة للثقافة العربية رسميا في مارس 2013، بمشاركة واسعة من المثقفين والأدباء والفنانين والوفود العربية والأجنبية.

كانت بغداد في تلك المناسبة أكثر من مدينة تستضيف فعالية ثقافية؛ كانت مدينة تستعيد ذاكرتها، وتستحضر مكانتها في تاريخ الثقافة العربية، مدينة ارتبط اسمها بالعلم والترجمة والشعر والفكر، وبالمكتبات والوراقين وحلقات الدرس والمناظرة. ومن الصعب أن يكون المرء في بغداد ولا يستحضر تاريخها الثقافي الطويل، ولا يشعر بأن المدينة نفسها تحمل طبقات متراكمة من الذاكرة العربية.

وفي ذلك الفضاء الثقافي والتاريخي، أتاحت لي الصحبة أن أكتشف في الدكتور الشيخ سيدي عبد الله بعدا آخر كان يتوارى خلف صورة الناقد والباحث: بعد الشاعر. فقد بدا لي أن الشاعر الذي يسكنه ليس حضورا عابرا ولا هواية هامشية، بل مكون أصيل من شخصيته الأدبية، وأن علاقته بالشعر ليست علاقة الناقد الذي يقرأ النص من الخارج، وإنما علاقة من خبر اللغة وعاش أسئلتها وتذوق إيقاعها وظلالها.

كان حديثه عن الشعر والأدب في تلك الرحلة حديثا تلقائيا، لا يشبه حديث المتخصص الذي يستعرض ما لديه من محفوظات ومعارف، بل حديث إنسان عاش مع النصوص ورافقها زمنا طويلا. ينتقل من شاعر إلى شاعر، ومن نص إلى نص، ومن تجربة إلى أخرى، مستحضرا أسماء وشواهد وسياقات، حتى يخيل إليك أن خزانة واسعة من الأدب تمشي معه أينما ذهب.

ولم يكن هذا الحضور المعرفي منفصلا عن حساسية الشاعر. ففي طريقته في الحديث عن اللغة، وفي انتقائه للشواهد، وفي عنايته بالتفاصيل، كان يبدو أن الناقد والشاعر يتبادلان الأدوار باستمرار. فالناقد يمنح الشاعر أدوات النظر والتأمل، والشاعر يمنح الناقد حساسية خاصة تجاه اللغة والصورة والإيقاع. ومن هنا تبدو العلاقة بين الجانبين علاقة تكامل لا انفصال.

وهذه الثنائية هي واحدة من أكثر الجوانب التي تستحق التوقف في تجربته. فالناقد الذي يملك حس الشاعر لا يتعامل مع النص بوصفه مادة جامدة للتحليل، كما أن الشاعر الذي يمتلك أدوات الباحث لا يكتفي بالانطباع والذائقة. وبين الطرفين تتشكل شخصية أدبية قادرة على الجمع بين المعرفة والذوق، وبين الدقة العلمية والانفعال الجمالي.

أما معرفته بالأدب الموريتاني، قديمه وحديثه، فتلك حكاية أخرى لمعرفة واسعة لا تبدو وليدة مطالعة عابرة، وإنما ثمرة تربية وصلة طويلة بالمدونة الموريتانية وبأعلامها ونصوصها وتحولاتها. وهو حين يتناول الأدب الموريتاني لا يراه جزرا منفصلة، بل يتناوله في امتداده التاريخي والثقافي، ويربط بين مراحله وتياراته، ويستحضر ما فيه من تنوع وتراكم وتفاعل مع المحيط العربي والإسلامي.

وتكمن أهمية هذا النوع من الاشتغال في أن الأدب الموريتاني يحتاج دائما إلى من يقرأه بوصفه جزءا من المشهد الثقافي العربي، من دون أن يفقد خصوصيته المحلية. لأن خصوصية التجربة الموريتانية لا تعني عزلها عن السياق العربي، كما أن انتماءها إلى الثقافة العربية لا يلغي ما فيها من سمات محلية وتاريخية وجمالية. وبين هذين البعدين تتشكل مساحة واسعة للبحث والنقد والتأمل.

ولأثبت الدكتور الشيخ سيدي عبد الله أنه من المثقفين الذين يملكون القدرة على التحرك داخل هذه المساحة، بما راكمه من معرفة بالنصوص والأعلام، وبما يملكه من تجربة في التدريس والبحث والمشاركة في المنابر الثقافية. ولذلك فإن حديثه عن الأدب الموريتاني كثيرا ما يتجاوز التعريف بالشعراء والنصوص إلى مساءلة التحولات التي عرفها هذا الأدب، والأسئلة التي رافقت انتقاله من مرحلة إلى أخرى.

كما أن تعدد اهتماماته لا يبدو نوعا من التشتت، بل يكشف عن طبيعة خاصة في تكوينه الثقافي. فالمثقف الحقيقي لا يعيش داخل جدار تخصصه، ولا يرى المعرفة غرفا مغلقة لا صلة بينها. والشيخ سيدي عبد الله يبدو من هذا الصنف الذي تسمح له معرفته الأدبية بالنفاذ إلى قضايا الثقافة العامة، كما تسمح له تجربته النقدية بالنظر إلى التراث بعين مختلفة، وتمنحه علاقته بالشعر قدرة على التقاط ما قد يفوت القراءة العلمية المجردة.

وقد كان السفر معه إلى بغداد مناسبة لتتضح لي هذه الصورة أكثر. فالحوار الذي بدأ بالأدب سرعان ما كان يفتح أبوابا أخرى على الثقافة والتاريخ واللغة والشعر والتراث. وكان الانتقال بين الموضوعات يتم بصورة طبيعية، كأن جميع هذه الحقول ليست سوى روافد لنهر واحد هو الثقافة.

وفي بغداد، مدينة الشعراء والعلماء والمترجمين، بدا هذا الحوار أكثر ملاءمة للمكان. فبغداد التي اختيرت عاصمة للثقافة العربية عام 2013 لم تكن مجرد عنوان رسمي لبرنامج ثقافي، بل كانت تحمل رمزية مدينة ارتبط تاريخها بمراحل مركزية في الحضارة العربية والإسلامية، وظلت حاضرة في الذاكرة الأدبية بوصفها فضاء للعلم والأدب والفكر. وقد شملت فعاليات عام 2013 ملتقيات شعرية وأدبية ومعارض للكتاب والفنون وفعاليات عربية ودولية متعددة.

ولذلك لم يكن غريبا أن تتخذ الرحلة نفسها طابعا ثقافيا. فحين يكون رفيق السفر الشاعر والناقد ذاته والباحث المتمكن، يصبح الطريق امتدادا للمكتبة، ويصبح الحوار شكلا آخر من أشكال القراءة. وقد كان من الممتع أن أكتشف أن الحديث عن الأدب عنده لا ينتهي بانتهاء الندوة، وأن الثقافة ليست بالنسبة إليه موعدا عابرا مع المنابر، بل حالة من الانشغال الدائم.

وهنا تظهر قيمة الصحبة في الكشف عن الإنسان خلف صورته العامة. فالمثقف الذي نراه على المنصة قد يبدو لنا محكوما بلغة رسمية وبموضوع محدد، لكن الصحبة تكشف تفاصيل أخرى في طريقة تفكيره، وذاكرته، واهتماماته، وعلاقته بالأشخاص والكتب والأمكنة، وطريقته في النظر إلى العالم. وفي هذا المستوى تحديدا بدا لي أن صورة الشيخ سيدي عبد الله أوسع من صورة الناقد الأكاديمي.

فهو في النهاية أكاديمي، وباحث، وناقد، وشاعر، ومثقف، وصاحب اهتمام بالتراث والأدب الموريتاني والعربي. وهذه الصفات لا تتجاور في تجربته كما تتجاور عناوين السيرة الذاتية، وإنما تتداخل ويؤثر بعضها في بعض. فالباحث يغذي الناقد، والناقد يوجه ذائقة الشاعر، والشاعر يمنح الباحث حساسية تجاه اللغة، والمثقف يفتح هذه الدائرة كلها على المجتمع وأسئلته.

ولذلك فإن الحديث عن الدكتور الشيخ سيدي عبد الله لا ينبغي أن يتوقف عند منجزه الأكاديمي أو النقدي، مهما كانت أهميته، بل ينبغي أن يتسع ليشمل هذه الشخصية المتعددة التي تكشفها المعرفة والكتابة والصحبة والحوار. فبعض المثقفين يمكن اختصارهم في كتاب أو تخصص أو وظيفة، في حين تظل شخصيات بعضهم الآخر أكبر من عناوينهم، لأنهم ينتمون إلى الثقافة باعتبارها طريقة في الحياة، لا مجرد مجال مهني.

وإذا كانت بغداد قد عرفت في تاريخها لحظات كثيرة جعلت منها مركزا للعلم والأدب والفكر، فإن رحلتي إليها في مناسبة اختيارها عاصمة للثقافة العربية عام 2013 جعلتني أرى المدينة أيضا بوصفها مكانا لاكتشاف الأصدقاء والرفاق على نحو جديد. وهناك اكتشفت في الدكتور الشيخ سيدي عبد الله الشاعر الذي يسكن الناقد، والمثقف الذي يتجاوز حدود التخصص، والباحث الذي تتحول المعرفة عنده إلى حوار حي.

وقد بقيت من تلك الرحلة صورة لا تختصرها بغداد وحدها، ولا تختصرها الندوات والفعاليات، صورة شاب يحمل معه ذاكرة واسعة من الأدب، ويتعامل مع الثقافة باعتبارها فضاء مفتوحا، يجد في الشعر والنقد والتراث والمعرفة وجوها متعددة لعلاقة واحدة هي علاقته باللغة التي يتقنها والإنسان الذي يسكنه.

وهذا، في تقديري، هو الجانب الأكثر إنسانية في تجربة الدكتور الشيخ سيدي عبد الله: أن المعرفة لم تحوله إلى أسير للتخصص، وأن النقد لم يطفئ فيه الشاعر، وأن الأكاديمي لم يحجب المثقف، وأن تعدد الاهتمامات لم يبدد شخصيته، بل منحها رحابة خاصة.

فحين تتعدد الأبعاد داخل المثقف من دون أن تتنافر، يصبح التعدد نفسه جزءا من هويته. وحين يلتقي الناقد بالشاعر، والباحث بالمثقف، والأستاذ بصاحب الشغف الأدبي، تتشكل شخصية لا يمكن قراءتها من زاوية واحدة. ومن هذه الزاوية تحديدا تبدو تجربة الدكتور الشيخ سيدي عبد الله جديرة بالقراءة، لا باعتبارها تجربة فردية فحسب، وإنما باعتبارها صورة من صور المثقف الموريتاني الذي يحمل ذاكرة وطنه، وينفتح في الوقت نفسه على فضاء الثقافة العربية الرحب.

المدير الناشر
عرض جميع مقالاته →
اترك تعليقاً