أزواد ومالي: حربٌ بلا أفق أم ولادةُ نظامٍ جديد في الساحل؟

9 مايو 2026 12:27 1 دقيقة للقراءة 0 تعليق
أزواد ومالي: حربٌ بلا أفق أم ولادةُ نظامٍ جديد في الساحل؟

لا يحتاج المرء إلى كثير من التمحيص ليدرك أن ما يجري في شمال مالي قد تجاوز منذ أمد بعيد حدود التمرد المحلي أو النزاع بين المركز وهامشه.

أزمة أزواد باتت اليوم من أعقد ملفات الساحل الإفريقي، وربما أكثرها إيلامًا لأنها تتقاطع فيها خيوط لا تنتهي: حسابات عسكرية وانتهازية سياسية ومظالم قديمة متراكمة، فوق كل ذلك تتحرك قوى خارجية لها أجنداتها الخاصة، بينما يدفع السكان المحليون الثمن كل يوم.

ما تابعته عبر متابعتي للمشهد خلال الأشهر الأخيرة يشير إلى أن الأزمة دخلت منعطفًا حادًا: باماكو تراهن على الحسم العسكري وترفض أي تنازل يُقرأ بوصفه ضعفًا، والحركات الأزوادية تعيد ترتيب صفوفها وتوسّع سقف مطالبها، فيما بدأ الدور الروسي يُثير تساؤلات لم تكن مطروحة قبل سنتين.

اتفاق الجزائر: وثيقة بلا روح

حين وُقِّع اتفاق الجزائر، بدا وكأن المنطقة أخيرًا وجدت ممرًا للخروج من الأزمة.

اليوم، يصعب الحديث عنه بجدية دون أن يبتسم أحد المتابعين مرارة. لا يعني ذلك أنه لم يكن له قيمة، بل يعني أن الثقة التي كان يفترض أن يبنيها تبخّرت من الطرفين في آنٍ واحد.

المجلس العسكري الحاكم في باماكو آثر منذ البداية خطاب “استعادة هيبة الدولة”، وهو خطاب يبدو منطقيًا من الداخل لكنه عملياً يعني رفض أي اعتراف بالشراكة السياسية مع الحركات الشمالية.

القناعة السائدة في أوساط الضباط أن الاتفاقات السابقة أفرزت دولة داخل الدولة، وأن الحل الحقيقي يمر عبر الميدان لا عبر طاولة التفاوض.

النتيجة؟ عمليات عسكرية متصاعدة، وطائرات مسيّرة فوق مناطق لم تشهد اشتباكات منذ سنوات، ودوامة عنف تتسع بدل أن تضيق. استعادت الدولة خطابها، لكن الاستقرار ظل يفلت من يدها.

جبهة تحرير أزواد : سقف أعلى ومطالب مختلفة

لمن يتابع الخطاب الأزوادي منذ سنوات، ثمة تحوّل يلفت الانتباه. لم تعد المطالب تدور في فلك التنمية والحكم الذاتي والحصص في الحكومة، بل بدأ يطفو على السطح كلام أكثر جذرية عن إسقاط النظام العسكري وإعادة التفاوض على طبيعة الدولة من الصفر.

هذا التحول ليس مجرد تصعيد خطابي.

هو يعكس قناعة متجذّرة بأن باماكو الحالية ليست شريكًا يمكن الوثوق به، لا في السياسة ولا في تطبيق أي اتفاق ويدعم هذه القناعة الغضب المتراكم جراء الانتهاكات الميدانية وتردّي الأوضاع في الشمال وشعور السكان بأنهم منسيون في معادلة لا يملكون فيها ورقة ضغط حقيقية.

لكن جبهة تحرير أزواد تقف أمام معادلة صعبة في الوقت ذاته.

قدرتها على إنهاك الجيش المالي حقيقية، لكن قدرتها على انتزاع اعتراف دولي بمشروعها السياسي تبقى محدودة جداً في قارة تنظر إلى كل حركة انفصالية بريبة مزمنة.

روسيا: الحليف الذي يُعقِّد الحساب

حين غادرت فرنسا مالي وسط احتفالات الشوارع وتكسير رموزها، قدّمت باماكو الشراكة مع موسكو بوصفها فجرًا جديدًا.

الروس أتوا بالسلاح والمدربين وشيء من الثقة النفسية لجيش يعاني خسائر متكررة. وبدا للوهلة الأولى أن المعادلة الأمنية تغيّرت.

لكن الصورة تعقّدت مع الوقت. الوجود الروسي لم يُفضِ إلى كسر العمود الفقري للمجموعات المسلحة، والاتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان راحت تتكاثر حتى باتت عبئًا على صورة الحكومة لا على صورة خصومها.

وفي مكان آخر من العالم، موسكو منشغلة بحرائق متعددة، وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً عن مدى استدامة الالتزام الروسي بهذا الملف.

المأزق في حقيقته ليس روسيًا فقط، بل هو تكرار لنمط معروف: أي قوة أجنبية تدخل مالي تجد نفسها في مستنقع أزمة دولة لا أزمة أمن، وهذان التشخيصان يستدعيان وصفتين مختلفتين تمامًا.

الساحل لا يتفرج

ما يحدث في أزواد لا يُقرأ بمعزل عمّا تشهده المنطقة الأوسع.

التقارب بين المجالس العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو أفرز محورًا سياسيًا جديدًا يرفع راية السيادة ويُسقط كل انتقاد خارجي تحت تهمة التدخل في الشؤون الداخلية.

المشكلة أن هذا الخطاب، رغم شعبيته في الشارع، يفشل حين يواجه الاختبار الميداني.

السيطرة الأمنية وحدها لا تُنتج استقرارًا، والانسداد السياسي لا يُخرج من الأزمة بل يدفع المزيد إلى حمل السلاح، خاصة حين يضاف إلى الفقر المزمن وغياب الخدمات وشعور المواطن بأن الدولة لا تراه إلا حين تريد تجنيده أو فرض النظام عليه.

وفي شمال مالي تحديداً، الفراغ الأمني والسياسي الذي يتّسع يُعدّ بيئة مثالية للجماعات الجهادية التي أثبتت براعة استثنائية في توظيف الشكاوى المحلية لصالح أجندات أشمل.

المدنيون: من يتذكرهم؟

وسط كل هذا الصخب التحليلي والحسابات الجيوسياسية، يسهل أن ينزلق المدنيون إلى هامش الصورة. لكنهم في الواقع جوهرها.

موجات النزوح المتكررة وانقطاع طرق التجارة وتراجع الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الأساسية، كل ذلك لا يُترجَم في أرقام الخسائر العسكرية لكنه يُشكّل الضرر الأعمق والأطول أثرًا.

الأخطر من ذلك أن الحرب الممتدة بدأت تأكل النسيج الاجتماعي الداخلي للمجتمع الأزوادي نفسه، الانقسامات القبلية تتعمّق، والثقة بين المجتمعات تتآكل، وهذا النوع من الضرر لا يُعالَج بتوقيع اتفاق، بل يحتاج إلى أجيال.

هل لا يزال الحوار متاحًا؟

يخطئ من يظن أن الحل العسكري بات وشيكًا أو أن أحد الطرفين قادر على الحسم. الواقع الميداني يقول عكس ذلك: الجيش المالي يعاني، والحركات المسلحة تعاني أيضًا، والمنطقة كلها تدفع ثمنًا باهظًا دون أن يقترب أحد من خط النهاية.

في هذا السياق، تبدو إشارات الحوار التي يطلقها بعض الفاعلين بين الحين والآخر أقرب إلى اعتراف ضمني بأن الخيار العسكري وصل إلى سقفه. لكن الحوار الحقيقي يحتاج إلى شيء نادر الوجود حاليًا: ثقة ولو بحدودها الدنيا، وإرادة سياسية من باماكو بأن تتعامل مع الشمال شريكًا لا تهديدًا، وضمانات إقليمية ودولية جادة.

أي مسار للخروج من الأزمة لن يكون مجديًا ما لم يعالج جذورها: السياسية والاقتصادية والهوياتية والتمثيلية. المعالجة الأمنية وحدها قد تُخمد الحريق مؤقتاً، لكنها لن تمنع اشتعاله مجدداً.


أزواد: مرآة لا تكذب

في المحصلة، ما يجري في أزواد يتجاوز أزواد. ثمة دولة تبحث عن شرعية بسيف بدل أن تبنيها بالتعاقد مع مواطنيها. وثمة حركات تحمل مظالم حقيقية لكنها تجد نفسها في فخ لا يُفضي إلى نصر ولا إلى سلام. وثمة قوى خارجية تدير أوراقها باسم الاستقرار لكنها في حقيقة الأمر تُعقّد المشهد أكثر مما تُبسّطه.

السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس من سيربح في الميدان. السؤال الجوهري هو: هل يمكن لمالي ولمنطقة الساحل أن تخرج بنموذج حوكمة مختلف يتجاوز هذه الدوامة، أم أن الإرهاق وحده هو ما سيُوقف الاقتتال يومًا ما؟

حتى الآن، لا تبدو الإجابة قريبة.

المدير الناشر
عرض جميع مقالاته →

مقالات ذات صلة

اتحاد الادباء.. نشاط مشهود يغالب ترهل الإبداع

بقلم : الولي سيدي هيبه..في ظل غياب نقد مؤسسي صارم، يظل الأديب والكاتب أسيري فراغ ثقافي لا يكافئ...

9/5/2026 15:48 0

موريتانيا وفلسفة الغزواني ” القفز والارتقاء والحماية “

نعيش الآن مخاضة رخوة زمنية وساعة صفرية حقيقية تتساوى فيها كل الدول عند الصفر في استثمار الفوائض المالية،...

26/6/2025 16:21 0

مالي.. قراءة في خلفيات الهجوم وأسئلة المصير

في العادة، تكون بيانات المتحاربين مجرد ذرائع للدعاية، لكن ما صدر خلال الساعات الأخيرة من مختلف أطراف الأزمة...

28/4/2026 10:46 0
اترك تعليقاً