مالي.. من “انفصال السنغال” إلى “ثورة أزواد”

12 مايو 2026 12:25 1 دقيقة للقراءة 0 تعليق
مالي.. من “انفصال السنغال” إلى “ثورة أزواد”



بقلم / عمر الأنصاري
ليست أزمة مالي الراهنة وليدة الانقلابات الأخيرة، ولا نتاج تمدد الجماعات المتطرفة وحدها، بل هي، في عمقها التاريخي، أزمة دولة وُلدت وهي تحمل تناقضًا قاتلًا بين اسم إمبراطوري واسع، وممارسة سياسية مركزية ضيقة. فمنذ اللحظة الأولى للاستقلال، بدت مالي كأنها تطمح إلى وراثة مجد إمبراطورية عريقة امتدت في الذاكرة السياسية لغرب أفريقيا، لكنها لم تستطع تحويل ذلك الإرث إلى عقد وطني جامع، يقوم على الشراكة والتعدد واللامركزية.

كانت البداية من اتحاد مالي، ذلك المشروع الوحدوي الطموح الذي جمع السنغال والسودان الفرنسي السابق في كيان واحد. نشأ الاتحاد في 4 أبريل 1959، ونال استقلاله الكامل عن فرنسا في 20 يونيو 1960، لكن التجربة لم تعش سوى شهرين بعد الاستقلال، ففي 20 أغسطس 1960 أعلنت السنغال انسحابها من الاتحاد، قبل أن يعلن السودان الفرنسي لاحقًا، في 22 سبتمبر 1960، قيام جمهورية مالي باسمها الجديد.

لم يكن خروج السنغال مجرد خلاف إداري عابر، بل كان إنذارًا مبكرًا من طبيعة السلطة التي بدأت تتشكل في باماكو. السنغاليون، بقيادة ليوبولد سيدار سنغور ومامادو ديا، رأوا أن الشراكة الفدرالية تتحول تدريجيًا إلى هيمنة مركزية يقودها موديبو كيتا وحزبه، وأن مبدأ التوازن بين الطرفين يتآكل لمصلحة مشروع سياسي أكثر وحدوية وصلابة. وتقول مصادر تاريخية إن الأزمة بلغت ذروتها في أغسطس 1960، حين تصاعدت المخاوف من استخدام الجيش الفدرالي في الصراع السياسي، وردت داكار بتعبئة قواتها، ثم أعلنت الانفصال. وتعرض وثائق الخارجية الأميركية رسالة 20 أغسطس من مامادو ديا إلى الرئيس الأميركي دوايت آيزنهاور يعلن فيها استقلال السنغال ويطلب الاعتراف بها.

هكذا، كان “انفصال السنغال” بمعناه السياسي والدستوري لا العسكري، أول رفض مبكر لفكرة مالي المركزية. لم يكن السنغاليون يرفضون الوحدة الأفريقية، بل كانوا يرفضون وحدة تبتلع التعدد. كانت السنغال تدافع عن حقها في شراكة متكافئة، في حين كان جناح باماكو يرى في المركزية شرطًا لبناء الدولة الجديدة. وبعد أسابيع قليلة فقط، تحولت مالي من مشروع اتحادي مفتوح على غرب أفريقيا إلى دولة داخلية مغلقة، محكومة بعقل الحزب الواحد والسلطة المركزية والاقتصاد الموجه.

بعد ذلك بوقت قصير في عمر الدول، تكرر الدرس في الشمال. فبين عامي 1962 و1964 اندلعت أول ثورة للطوارق في شمال مالي، عرفت تاريخيًا باسم حركة “ألفلاغا”، وانطلق أساسًا من منطقة كيدال. وتشير تقارير تاريخية إلى أن “متمردين من الطوارق” بدأوا في 1962 مهاجمة مواقع حكومية في الشمال بعمليات غير منسقة، قبل أن يقابل الجيش المالي ذلك بقمع واسع دفع أعدادًا من السكان إلى الهجرة نحو الجزائر ودول الجوار. كما يورد “ذا نيو هيومانيترين” أن تمرد 1962-1964 انطلق من كيدال، وقوبل بقمع عنيف شمل استهداف مجتمعات الطوارق وماشيتهم وآبارهم.

الفارق الزمني هنا مهم: السنغال خرجت في 20 أغسطس 1960، أي بعد شهرين فقط من استقلال اتحاد مالي، أما أزواد فدخل أولى دورات الثورة بين 1962 و1964، أي بعد أقل من عامين من إعلان جمهورية مالي في 22 سبتمبر 1960. لكن التشابه السياسي أعمق من التطابق الزمني. في الحالتين، اصطدمت باماكو بمكوّن يطالب بألا تتحول الدولة الجديدة إلى مركز واحد يقرر للآخرين مصيرهم. السنغال طالبت بندية داخل الاتحاد، وأزواد طالب باعتراف بخصوصية الشمال وسكانه وأنماطهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

كان من الممكن لمالي أن تقرأ الحدثين كإنذار تأسيسي: لا يمكن لدولة بهذا الامتداد الجغرافي والتنوع البشري أن تدار بمنطق العاصمة وحدها. فالبلد الذي يحمل اسم إمبراطورية مالي كان وريثًا محتملًا لتاريخ تجاري وثقافي هائل، ربط بين نهر النيجر والصحراء والمغرب العربي وغرب أفريقيا. كانت تمبكتو، حسب اليونسكو، عاصمة فكرية وروحية كبرى في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ومركزًا للعلم والمخطوطات والتجارة والثقافة الإسلامية الأفريقية. وكانت إمبراطورية مالي، وفق بريتانيكا، جزءًا من تاريخ غرب أفريقي عميق تشكل حول التجارة العابرة للصحراء، والذهب والملح، وشبكات المدن والقوافل.

لكن مالي الحديثة لم تحوّل هذا الإرث إلى مشروع دولة تعددية. بدل أن ترى في الشمال الصحراوي بوابة نحو الجزائر وموريتانيا والنيجر وليبيا، وفي الغرب بوابة نحو السنغال والمحيط، وفي الوسط والجنوب قاعدة زراعية وبشرية حول نهر النيجر، تعاملت مع الأطراف بوصفها هوامش أمنية يجب ضبطها. وبذلك ضيعت فرصة أن تكون دولة وصل لا دولة فصل؛ دولة قوافل وأسواق ومخطوطات وحدود مفتوحة، لا دولة ثكنات وحواجز ومناطق عسكرية.

تكررت الفرص لاحقًا. بعد ثورات التسعينيات، وُقّع “الميثاق الوطني” في 11 أبريل 1992 لإنهاء الثورة العربية-الطارقية في شمال مالي، وكان من المفترض أن يفتح الباب أمام مصالحة وطنية ولا مركزية أوسع. وتعرض قاعدة بيانات اتفاقات السلام بجامعة نوتردام تاريخ الاتفاق بوصفه اتفاق سلام شاملًا، بينما يشير منتدى الفدراليات إلى أن الميثاق كان عاملًا مهمًا في تسريع مسار اللامركزية في مالي.

لكن الدولة لم تستوعب الدرس كاملًا. كل اتفاق كان يفتح نافذة، ثم تغلقها باماكو بالتردد أو التنفيذ الجزئي أو العودة إلى المقاربة الأمنية. ثم جاء اتفاق الجزائر عام 2015 بعد حرب 2012، ليعيد طرح الأسئلة نفسها: تمثيل الشمال، دمج المقاتلين، تقاسم السلطة، التنمية، والاعتراف بالتنوع. ووفق مجموعة الأزمات الدولية، فإن اتفاق 2015 سعى إلى استعادة السلام أساسًا عبر اللامركزية أو “الجهوية” وإعادة تشكيل الجيش الوطني، لكن تطبيقه ظل هشًا ومتعثّرًا. وفي يناير 2024 أعلنت السلطات المالية إنهاء الاتفاق، ما أثار مخاوف من تصعيد جديد في الشمال.

من هنا تبدو مأساة مالي كأنها دائرة مغلقة بدأت مبكرًا جدًا: السنغال رفضت مركزية باماكو وانسحبت، وأزواد رفضها وثار عليها، ثم توالت الحركات والاتفاقات والانقلابات والحروب، فيما ظلت الدولة تتعامل مع التنوع كعبء لا كقوة. وفي كل مرة كان الحل المطروح واضحًا: عقد وطني جديد، لا يساوي بين الوحدة والهيمنة، ولا بين السيادة والعسكرة، ولا بين الهوية الوطنية ومحو الهويات المحلية.

لقد كانت مالي مؤهلة لأن تكون وريثًا حقيقيًا لتاريخ غرب أفريقيا الكبير: تاريخ إمبراطوريات لم تكن مجرد سلطات حربية، بل شبكات تجارة ومعرفة ودين وثقافة وتعايش. كانت تستطيع أن تبني اقتصادًا عابرًا للحدود، وتحوّل تمبكتو وغاو وجيني وكيدال وسيغو وباماكو إلى عقد في شبكة وطنية واحدة، بدل أن تصبح هذه الأسماء محطات في خرائط التمرد والعزلة والحصار.

لكنها اختارت، أو دُفعت عبر نخبها المتعاقبة، إلى طريق آخر: دولة مركزية تخاف من الفدرالية، وتؤجل اللامركزية، وتتعامل مع مطالب الشمال باعتبارها خطرًا على الوحدة لا فرصة لإعادة تعريفها. لذلك لم تكن أزمة أزواد حادثًا منفصلًا عن أزمة السنغال، بل امتدادًا لها بلغة أخرى. الأولى قالت إن الاتحاد لا يقوم بلا شراكة، والثانية قالت إن الدولة لا تستقر بلا عدالة مكانية وثقافية.

وبين 20 أغسطس 1960، يوم خرجت السنغال من الاتحاد، وبدايات ثورة أزواد بين 1962 و1964، يمكن قراءة تاريخ مالي الحديث كله: بلد وُلد من حلم وحدوي كبير، لكنه خسر مبكرًا قدرته على إدارة الاختلاف. ومنذ ذلك الحين، لم تكن مالي تسقط لأنها تفتقر إلى التاريخ، بل لأنها لم تستطع أن تتصالح مع تاريخها؛ تاريخ القوافل والتعدد والممالك العابرة للأعراق واللغات، لا تاريخ العاصمة الواحدة التي تريد أن تختصر البلاد كلها في قرار يصدر من باماكو.

المدير الناشر
عرض جميع مقالاته →

مقالات ذات صلة

وزير الدفاع يبحث مع القائم بالأعمال الأمريكي تعزيز التعاون العسكري بين البلدين

استقبل وزير الدفاع وشؤون المتقاعدين وأولاد الشهداء، حنن ولد سيدي، صباح اليوم الخميس 26 فبراير 2026، بمكتبه في...

26/2/2026 18:33 0

عليك وحدك تذرف الدموع ياعلي الخامنئي.

لم ترتجف فرائصك فرقا لأنهم اوجفوا عليك ببوارج تحمل من وسائل التدمير ما يهد الجبال الصم، ومعهم من...

1/3/2026 15:14 0

إلى متى يظل النقد خجولا/الولي سيدي هيبه

حين يغيب النقد تحت وطأة المجاملات، لا يخسر النص الأدبي وحده، بل تخسر البيئة الثقافية بأسرها قدرتها على...

26/4/2026 18:11 0
اترك تعليقاً