العقيد محمد الأمين ولد انجيان.. حين تسبق الأخلاق المناصب

4 يونيو 2026 08:26 1 دقيقة للقراءة 0 تعليق
العقيد محمد الأمين ولد انجيان.. حين تسبق الأخلاق المناصب

بقلم : الولي سيدي هيبه

في مسيرة الأمم رجال لا تقاس أقدارهم بما تقلدوه من مناصب، ولا بما حملوه من ألقاب، بل بما تركوه من أثر طيب في النفوس وما غرسوه من قيم نبيلة حولهم. فالمناصب مهما علت زائلة، أما الأخلاق فباقية، والسيرة الحسنة هي الرصيد الذي لا ينفد ولا يطويه الزمن.

ومن هؤلاء الرجال العقيد محمد الأمين ولد انجيان (1950-2003) ، الذي عرف قائدا عسكريا وواليا ووزيرا، غير أن أعظم ما يميزه في ذاكرة من عرفوه عن قرب ليس ما تقلده من مناصب وما تولاه من مسؤوليات، وإنما ما تحلى به من خصال إنسانية رفيعة ومن عبادة خالصة. فقد كان مثالا للانضباط والجدية، ونموذجا للتواضع والكرم، قريبا من الضعفاء والمحتاجين، باسطا يده بالعون والإحسان، مؤمنا بأن قيمة الإنسان فيما يقدم للناس لا فيما يملكه من سلطة أو نفوذ.

لقد أسندت إليه مسؤوليات جسام كان من شأنها أن تصنع لدى غيره شيئا من الترفع أو الاعتداد بالنفس، لكنه ظل وفيا لبساطته الأولى، محافظا على قربه من الناس من حوله، مدركا أن المسؤولية الحقيقية ليست امتيازا يمنح، وإنما أمانة تثقل الأعناق وتستوجب الإخلاص والتجرد. كان بذلك يستحضر في سلوكه قبل ألفاظه قول الله تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، كما كان يجسد في تعامله معنى الحديث الشريف” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.

وأما في ميدان العمل، فقد كان الانضباط عنده منهجا لا شعارا، واحترام الوقت والواجب سلوكا يوميا لا ترفا إداريا فجمع، بحكم تكوينه العسكري، بين الحزم والاتزان وبين قوة القرار وحسن المعاملة حتى عرف قائدا فذا يفرض الاحترام دون أن يثير رهبة، ويكسب الثقة دون أن يسعى إليها، ومن أمثاله يصدق قول الشاعر:

وإذا أراد الله نــشـر فــضـيـلــة      طـويـت أتـاح لـها لـسـان حـسود

لَولا اِشتِعال النارِ فيما جاوَرَت      ما كانَ يعرَف طيب عرف العود

فالمآثر الصادقة لا تحتاج إلى كثير دعاية، لأنها تشق طريقها إلى القلوب بما فيها من صدق وإخلاص.

ولعل من أجمل ما اتصف به العقيد محمد الأمين ولد انجيان ذلك التواضع العفوي الذي كان يلمسه كل من جالسه. لم يكن تواضعه تصنعا ولا مجاملة عابرة، بل ثمرة تربية أصيلة وإيمان راسخ بأن رفعة الإنسان الحقيقية تكون بقدر ما يحمل من قيم، لا بقدر ما يحمل من رتب، فكان جليسه يشعر بالقرب منه والألفة معه، وكأن الشاعر يصفه حين قال:

تواضع تكن كالنجم لاح لناظر      على صفحات الماء وهو رفيع

لقد أدرك، رحمه الله، أن النفوذ الحقيقي هو نفوذ الأخلاق، وأن المكانة التي تبقى هي تلك التي تشيدها المحبة الصادقة في قلوب الناس. ولذلك بقي حضوره في الذاكرة أقوى من حضور المنصب نفسه.

وما عرفته شخصيا إلا ملازما للمسجد، حريصا على الصلاة فرضا ونفلا في الجامع قرب بيته، في صورة تجسد توازنا نادرا بين أداء الواجب العام والوفاء للواجب الديني. وكان ذلك دليلا على أن التقوى كانت جزءا أصيلا من شخصيته، لا مظهرا عابرا ولا سلوكا موسميا.

لقد فهم، رحمه الله، أن المسؤولية تكليف قبل أن تكون تشريفا، وأن خدمة الوطن رسالة سامية لا وسيلة لتحقيق المكاسب الشخصية حتى مات شهيدا فداء له. لذلك ترك الفقيد وراءه ذكرا حسنا وأثرا كريما، وهو الإرث الأجمل الذي يمكن أن يورثه الإنسان بعد رحيله.

رحم الله العقيد محمد الأمين ولد انجيان رحمة واسعة، وجزاه عن وطنه ومجتمعه خير الجزاء، وألحقه بالصالحين، وجعل ما قدمه من أعمال الخير والإحسان في ميزان حسناته يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

المدير الناشر
عرض جميع مقالاته →

مقالات ذات صلة

إلى متى يعود الحوار ؟
رسالة مفتوحة إلى الماليين والازواديين

بقلم د محمد أغ محمد استهلال: أنا – كأي واحد من أصحاب الأصول المالية الازوادية – عشت تفاصيل...

7/5/2026 19:35 0

على هامش العدوان على إيران – اعتذار لموريتانيا وتحذير للموريتانيين

في أوقات الأزمات والحروب يكثر الخراب ويكثر الجهل و الضحك ولكنه – كما قال المتنبي – ضحك كالبكاء...

14/3/2026 17:31 0

الجزائر تعيد تموضعها في الساحل: مصالحة نيامي… رسالة إلى باماكو

  قرار رئيس الجزائر السيد، عبد المجيد تبون، الصادر في 12 فبراير 2026، بإعادة سفير الجزائر إلى نيامي...

19/2/2026 23:06 0
اترك تعليقاً