د. محمد سالم ولد مرزوك .. هندسة التوازن في الدبلوماسية الموريتانية
بقلم : الولي سيدي هيبه
بين الحكمة والاعتدال وحسن التقدير وضمان الاستمرارية، يطبع الدكتور محمد سالم ولد مرزوك الدبلوماسية الموريتانية بأسلوب يقوم على ضبط التوازنات، والحفاظ على هامش المناورة، والإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة، في مقاربة تجعل من الهدوء والمرونة أدوات لإدارة العلاقات والمصالح في محيط إقليمي متغير. ومن خلال مسار امتد من الجامعة إلى منظمة استثمار نهر السنغال، ومن المسؤوليات الحكومية إلى منصب المستشار الدبلوماسي لرئيس الجمهورية، ثم إلى وزارة الشؤون الخارجية، يجسد ولد مرزوك ممارسة دبلوماسية تستمد قوة تأثيرها، بدرجة أقل من الاستعراض، وبدرجة أكبر من الثبات وحسن الحضور والقدرة على الحفاظ على تماسك المسار واستمراريته في بيئة إقليمية ودولية تشهد تحولات متسارعة وإعادة مستمرة في تشكيل التوازنات.
في مسيرة الدكتور محمد سالم ولد مرزوك، تبدو الدبلوماسية أقل ارتباطا بمسار وظيفي محدد، وأكثر تعبيرا عن امتداد طبيعي تبرره قدرة راسخة على قراءة موازين القوى، واستيعاب طبيعة التوازنات، وتقدير هوامش المناورة الممكنة في كل ظرف وسياق. وقد أسهم تنوع مسؤولياته وتدرجها في الكشف عن هذه القدرة وصقلها وتعميقها، حتى غدت، مع مرور الوقت، جزء من منهج متكامل في إدارة العلاقات والمواقف.
ومنذ تعيينه وزيرا للشؤون الخارجية في مارس 2022، ثم إضافة ملف التعاون الإفريقي إلى حقيبته في أغسطس 2024، أصبح أحد أبرز وجوه الدبلوماسية الموريتانية. فهو أكاديمي وباحث حاصل على الدكتوراه في الجيوفيزياء، سبق أن تولى منصب المفوض السامي لمنظمة استثمار نهر السنغال، كما شغل منصب وزير في عدة قطاعات، ومستشارا دبلوماسيا لرئيس الجمهورية، ووزيرا للداخلية، وهي مسيرة تتجاوز بكثير المجال الضيق للعلاقات الدولية.
ويشكل هذا التنوع في الخبرات مدرسة حقيقية في الحكم، حيث يتيح تناول القضايا الدولية، لا باعتبارها ملفات منفصلة، وإنما باعتبارها قضايا مرتبطة بالأمن والتنمية والموارد والبيئة والحكامة والتوازنات الإقليمية. ولعل هذا هو أحد أبرز السمات التي تميز طريقته في التعامل مع الدبلوماسية التي هي بالنسبة إليه في أقل أوجها منبرا للخطابة، وأكثره بروزا يتجلى في الممارسة المستمرة لضبط التوازنات.
وقبل أن ينتقل إلى فضاءات الدبلوماسية الكبرى، واجه ولد مرزوك ملفات تتطلب فهما عمليا لمختلف أشكال الترابط والتداخل. فعلى رأس منظمة استثمار نهر السنغال لأكثر من عقد، عمل في صميم منظمة إقليمية تُعنى بإدارة واستثمار مورد مشترك بين عدة دول، لأن إدارة المياه تتجاوز المسألة التقنية وحدها. فهي ترتبط بالزراعة والطاقة والبيئة والأمن الغذائي، وبشكل أوسع بمصالح السكان. كما أنها تفرض التوفيق بين أولويات وطنية قد تكون مختلفة، والبحث عن تسويات قادرة على الاستمرار على المدى الطويل. ومن شأن تجربة كهذه أن تعلّم بالضرورة الإصغاء والصبر والتفاوض والبحث عن توازنات مقبولة.
وتساعد هذه التجربة على فهم جانب أساسي من مسيرته: الدبلوماسية بوصفها إدارةً للتداخلات والمصالح المتشابكة. كما تفسر نهجا لا يُنظر فيه إلى الحوار باعتباره غاية في حد ذاته، وإنما باعتباره وسيلة للحفاظ على المصالح الوطنية، مع تجنب تقليص الخيارات المتاحة للتحرك دون ضرورة.
ويظهر هذا التصور، على وجه الخصوص، في الطريقة التي تتعامل بها موريتانيا مع الملفات الإقليمية الحساسة. ففي سبتمبر 2022، استقبل ولد مرزوك في نواكشوط ستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية، في إطار المشاورات الدولية المتعلقة بهذا الملف.
وتندرج المواقف الموريتانية من هذه القضية ضمن جغرافيا خاصة وبيئة إقليمية لا تزال توازناتها حساسة. وفي مثل هذا السياق، لا تعني الحيطة غياب الدور، بل يمكن أن تشكل، على العكس، أداة للحفاظ على القدرة على الحوار والدفاع عن المصالح الوطنية دون اللجوء إلى التصعيد.
ويتكرر هذا المنطق بصورة أوسع في إدارة الدبلوماسية الوطنية علما بأن موريتانيا، الواقعة عند تقاطع المغرب العربي ومنطقة الساحل وغرب إفريقيا والعالم العربي والفضاء الأطلسي، لا تستطيع اختزال سياستها الخارجية في محور واحد. بل يتعين عليها الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع جيرانها والمنظمات الإقليمية والقارية، والدول العربية، وأوروبا، والولايات المتحدة، والمنظومة الدولية.
ويأتي توسيع حقيبة ولد مرزوك لتشمل التعاون الإفريقي في عام 2024 في سياق هذه الحقيقة الجغرافية والاستراتيجية. فموريتانيا تنتمي إلى عدة فضاءات في الوقت نفسه. وهذه التعددية، وإن كانت تمثل تحدياً، يمكن أن تتحول إلى رافعة دبلوماسية عندما ترافقها سياسة متماسكة قادرة على تحويل الموقع الجغرافي للبلاد إلى قدرة على الحوار.
وقد وضعت رئاسة موريتانيا للمجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي في عام 2024 نواكشوط في قلب النقاشات القارية المتعلقة، من بين أمور أخرى، بالتحديات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه إفريقيا. وبعيداً عن البعد المؤسسي لهذه المسؤولية، فقد وفرت للدبلوماسية الموريتانية مساحة إضافية من الحضور والتأثير على المستوى القاري.
ويظهر المنطق نفسه في الاهتمام بقضايا الأمن والتنمية لأن موريتانيا، التي تجاور منطقة تواجه نزاعات مسلحة وإرهابا ونزوحا للسكان وأزمات مؤسساتية وآثارا متزايدة للتغير المناخي، لديها مصلحة في الدفاع عن مفهوم للاستقرار لا يقتصر على البعد الأمني وحده.
وفي سبتمبر 2022، في نيويورك، شارك ولد مرزوك، من بين أنشطة أخرى، في مائدة مستديرة خصصت للأمن المناخي ووضعية منطقة الساحل. ويبرز هذا التوجه الترابط بين الأمن والتنمية والبيئة وفرص العمل والحكامة والتماسك الاجتماعي. كما يذكر بأن السياسة الأمنية المستدامة لا يمكن فصلها عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي تحدد استقرار المجتمعات.
ويضاف إلى ذلك حضوره المنتظم في مختلف الفضاءات التي تناقش فيها القضايا التي تهم موريتانيا كالاتحاد الإفريقي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والأمم المتحدة، فضلا عن الأطر الثنائية مع الشركاء الأوروبيين والأمريكيين والأفارقة والعرب. ويعكس تنويع الشركاء هذا الموقع الخاص للبلاد والحاجة إلى الحفاظ على قنوات متعددة للتواصل.
وفي سبتمبر 2026، في نيويورك، أجرى ولد مرزوك مباحثات مع نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي المكلف بإفريقيا الغربية والدبلوماسية العامة، تناولت العلاقات الموريتانية الأمريكية وسبل تطويرها. وفي اليوم التالي، شارك في الاجتماع السنوي التنسيقي لوزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي.
إطاران مختلفان، وفضاءان دبلوماسيان متمايزان، لكن بمنطق الحضور حيث تناقش المصالح التي يمكن أن تؤثر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على موريتانيا. ومن هذه الممارسة تبرز عقيدة ضمنية قوامها الحفاظ، قدر الإمكان، على قنوات الحوار، دون التخلي في الوقت نفسه عن الدفاع عن المصالح الوطنية. وليس المقصود اعتبار جميع المواقف متساوية، وإنما الحفاظ على إمكانية الحوار والتفاوض، وعند الضرورة، الدفاع بحزم عن المصالح الوطنية.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة بالنسبة لدولة تقع عند تقاطع عدة أقاليم جيوسياسية. فالمغرب والجزائر والسنغال ودول الساحل والدول العربية والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والأمم المتحدة، كلها دوائر يتعين على نواكشوط أن تحافظ معها على علاقات عملية. وفي هذه البنية، يمكن للمرونة الدبلوماسية أن تصبح أداة من أدوات السيادة، ما دامت لا تتحول إلى التخلي عن المصالح الأساسية للبلاد.
وهكذا تبدو الدبلوماسية التي يحمل لواءها ولد مرزوك دبلوماسية هادئة ونشطة في الوقت نفسه. فهي تفضل الحضور المنتظم في المحافل متعددة الأطراف، وتكثيف المشاورات، وبناء العلاقات بصورة متأنية. وليس الهدف بالضرورة البحث عن التألق الآني، وإنما الحفاظ على القدرة على الحوار، والدفاع عن المواقف الموريتانية، والإبقاء على إمكانيات التفاوض مفتوحة عندما تتغير الظروف.
وإلى جانب ذلك، تبرز الذاكرة المؤسساتية، وهي بُعد أقل ظهورا، لكنه قد يكون حاسما. فعندما يتولى مسؤول، على مدى عقود، مهام في قطاعات متنوعة إلى هذا الحد، فإنه يراكم معرفة بالإدارات والمؤسسات الإقليمية والدولية والفاعلين وآليات صنع القرار، وهي معرفة لا يمكن اكتسابها من الكتب أو من خلال الوظائف الدبلوماسية التقليدية وحدها.
وفي حالة الدكتور محمد سالم ولد مرزوق، تبدو هذه الذاكرة واسعة بشكل خاص. فقد كان أكاديميا وباحثا ومستشارا دوليا، ووزيرا في عدة قطاعات، ومفوضا ساميا لمنظمة استثمار نهر السنغال لأكثر من عقد، ومسؤولا في منظمات دولية معنية بأحواض الأنهار، ومستشارا دبلوماسيا لرئيس الجمهورية، ثم وزيرا للداخلية ووزيرا للشؤون الخارجية. وخلال هذه المسيرة، عمل في بيئات مؤسساتية مختلفة، مع بقائه على تماس مع ملفات محورية بالنسبة لموريتانيا ومحيطها الإقليمي.
وتوفر هذه الاستمرارية رؤية شاملة ومترابطة للتحديات لأنها تمكن، على وجه الخصوص، من الربط بين مجالات غالبا ما تتم معالجتها بشكل منفصل رغم ارتباطها الوثيق في الواقع كالأمن، والتنمية، والموارد المائية، والبيئة، والهجرة، والحكامة، والدبلوماسية. ويمكن لمثل هذه الخبرة أن تساعد على فهم أكثر دقة للفاعلين والمصالح القائمة وآليات العمل المؤسساتية التي تؤثر في تنفيذ السياسات العامة.
ومن جانبها، تمتلك موريتانيا مقومات جغرافية وسياسية مميزة منها واجهة أطلسية، وموق بين المغرب العربي والساحل، وانتماء إلى العالم العربي، وامتداد إفريقي، وخبرة مكتسبة من خلال عدة آليات إقليمية. غير أن الجغرافيا لا تتحول إلى مورد دبلوماسي إلا عندما ترافقها استراتيجية قادرة على استثمارها.
وفي هذا المجال يبرز دور وزير الشؤون الخارجية الذي هو تحويل الحقائق الجغرافية والاقتصادية والأمنية للبلاد إلى علاقات وشراكات وقدرات تفاوضية. ومسيرة ولد مرزوك، من الجيوفيزياء إلى منظمة استثمار نهر السنغال، ومن المسؤوليات الوزارية إلى المستشارية الدبلوماسية للرئاسة، ثم إلى وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي، تمنحه خبرة متنوعة بآليات صنع القرار وبالتداخلات التي تشكل عمل الدولة.
وتتغير توازنات منطقة الساحل، وتتطور العلاقات المغاربية، وتسعى إفريقيا إلى تعزيز قدراتها على العمل الجماعي، ويشهد العالم العربي أزمات متعددة، بينما تعيد أوروبا صياغة بعض شراكاتها، وتعمل القوى الكبرى على تعزيز حضورها في القارة.
وفي هذه البيئة المتحركة، تمتلك موريتانيا ميزة جغرافية وسياسية تتمثل في قدرتها على التواجد عند عدة مفترقات جيوسياسية في الوقت نفسه.
وفي هذا السياق يندرج الأسلوب الدبلوماسي الذي يرتبط بولد مرزوك، وهو يقوم على أربعة متطلبات متكاملة:
ـ الحكمة التي تدفع إلى تفضيل الحوار عندما لا تكون القطيعة ضرورية؛
ـ الاعتدال الذي يتمثل في الحفاظ على هوامش المناورة التي توفرها المواقف والتصرفات الدبلوماسية؛
ـ التقدير بمعنى القدرة على تقييم موازين القوى والمصالح القائمة والنتائج المحتملة لأي قرار؛
ـ الاستمرارية حيث أن العلاقات الدولية التي نادرا ما تبنى على الارتجال، تتشكل ـ على العكس من ذلك ـ عبر الزمن والثقة والثبات.
ولعل هذا هو، في نهاية المطاف، جوهر فن قيادة الدفة حيث لا يكون الادعاء بالقدرة على إيقاف التيارات، وإنما بمعرفة كيفية قراءتها، وقياس قوتها، والإبحار بينها دون فقدان الاتجاه، علما بأن الدبلوماسية لا تتمثل في الاختيار بين الجمود والحركة، بقدر ما تتمثل في الحفاظ، وسط بيئة تتغير باستمرار، على القدرة على تكييف مسار الإبحار دون التخلي عن الوجهة.
وبالنسبة لموريتانيا، فتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة، لأنه في عالم تتغير فيه موازين القوة، وتتطور فيه الشراكات، وتتقاطع فيه الأزمات الإقليمية، تشكل القدرة على الحوار مع فضاءات متعددة والحفاظ في الوقت نفسه على رؤية واضحة للمصالح الوطنية، موردا دبلوماسيا مهما.
ووسط هذا التوازن بين الحكمة والاعتدال والحساب والاستمرارية، تتبلور المنهجية الدبلوماسية المرتبطة بالدكتور محمد سالم ولد مرزوك في ممارسة دبلوماسية تنأى عن فرض الصوت عبر الاستعراض، وتراهن – في المقابل – على صون القدرة على التحرك من خلال الحضور والحوار وإدارة التوازنات في الزمان والمكان المناسبين.
