منطقة الساحل على مفترق الطرق: قراءة في سيناريوهين لا ثالث لهما

10 مايو 2026 18:50 1 دقيقة للقراءة 0 تعليق
منطقة الساحل على مفترق الطرق: قراءة في سيناريوهين لا ثالث لهما

أفكر كثيرًا في منطقة الساحل الأفريقي. ليس لأنها تملأ نشرات الأخبار بين الحين والآخر، بل لأنها تمثل في نظري أحد أكثر الملفات الجيوسياسية تشابكًا في العالم اليوم — ملف تتداخل فيه الهويات القبلية والخرائط الاستعمارية والفقر المزمن وصراعات النفوذ الدولية، كل ذلك في صحراء شاسعة تبتلع كل محاولات الضبط والسيطرة.

منذ انهيار نظام القذافي عام 2011، لم تعد المنطقة — وشمال مالي تحديدًا — مجرد منطقة توتر، بل باتت بيئة احتضان لأسئلة وجودية تتعلق بمستقبل الدولة الوطنية في أفريقيا. وفي هذا السياق، أجد نفسي أمام سيناريوهين متناقضين تمامًا، يستحق كل منهما أن نقف عنده بجدية.

حين تتحد المتناقضات

لأكن صريحًا منذ البداية: اتحاد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين — ذراع القاعدة في منطقة الساحل — مع تنظيم الدولة الإسلامية في المنطقة، هو سيناريو يبدو شبه مستحيل في ظروف عادية. فالشقاق بين هذين التنظيمين ليس مجرد خلاف تنظيمي، بل هو خلاف عقدي واستراتيجي في جوهره.

القاعدة تتبنى مقاربة أكثر برغماتية: تبني علاقات مع القبائل، تحترم نسبيًا الحاضنة الاجتماعية، وتنظر إلى السيطرة الميدانية كمسار تدريجي. الدولة الإسلامية في المقابل تنطلق من منطق مختلف كليًا — فرض الرأي بالقوة، التكفير الواسع، والسعي نحو “خلافة” عابرة للحدود لا تعترف بخصوصيات المجتمعات المحلية. هذان التصوران لا يلتقيان في الغالب، وحين يلتقيان يكون ذلك نتيجة ضغط خارجي لا قناعة داخلية.

ومع ذلك، أرى أن الظروف التي قد تدفع نحو هذا الاتحاد ليست مستحيلة. تخيل حملة عسكرية مشتركة تجمع الجيش المالي ومجموعة فاغنر والجزائر وربما أطرافًا غربية — ضغط بهذا الحجم قد يجعل التنسيق بين التنظيمين ضرورة بقاء لا خيارًا أيديولوجيًا. وهذا بالضبط هو الفخ الذي وقعت فيه كثير من التدخلات العسكرية الخارجية في التاريخ: حين تضغط بشدة على أعداء متناحرين، تصنع منهم حلفاء مؤقتين.

ماذا سيعني هذا الاتحاد؟ بكل صراحة: سيعني ظهور أخطر كيان مسلح شهدته منطقة الساحل منذ عقود. آلاف المقاتلين موحدو الموارد، سيطرة على شرايين التهريب الصحراوية الضخمة، وقدرة على شن هجمات منسقة تمتد من النيجر إلى موريتانيا. الاستنزاف المتبادل الذي يُضعف التنظيمين حاليًا سينتهي، وستُستثمر الطاقة المهدرة في الاقتتال الداخلي نحو مواجهة خارجية.

لكن — وهنا أصل إلى جوهر ما أريد قوله — هذا الكيان لن يبني دولة. لأنه لا يمكنه ذلك ببساطة. ليس بسبب ضعف عسكري، بل لأن “منطق الجهاد العالمي” لا يمتلك أدوات الحكم. من سيقود؟ القاعدة أم الدولة الإسلامية؟ هذا السؤال وحده كفيل بتفجير التحالف من الداخل. ناهيك عن أن تنظيمًا يُكفر القبائل ويفرض نمطًا واحدًا للحياة على مجتمعات متنوعة يصنع أعداءه بنفسه. التاريخ يثبت ذلك مرارًا: التنظيمات الجهادية تتفوق في هدم الدول، لكنها تعجز عن بنائها.

والرد الدولي على هكذا سيناريو لن يكون هينًا. سيدفع هذا الاتحاد نحو تنسيق أمني نادر: أمريكا، الجزائر، ودول الجوار الأفريقي، بل ربما تعاون جزائري-مغربي في ملف أمني لأول مرة منذ عقود. المنطقة ستتحول إلى بؤرة حرب دولية منخفضة الكثافة مديدة، لا إلى دولة مستقرة.

حين يتخلى الجهادي عن جهاده

هذا السيناريو أكثر تعقيدًا وأكثر إثارة للاهتمام في نفس الوقت.

نتخيل هنا جناحًا من تنظيم القاعدة في شمال غرب أفريقيا يتحالف مع الحركة القومية الطوارقية — جبهة تحرير أزواد — ويتخلى تدريجيًا عن الخطاب الجهادي الأممي لصالح مشروع قومي محلي. هل هذا ضرب من الخيال؟ ليس تمامًا. التاريخ يعرف أمثلة على تحولات من هذا النوع — الجيش الجمهوري الإيرلندي، وفصائل كولومبية سابقة، وحركات تمرد أفريقية تحولت إلى أحزاب سياسية، وسوريا نموذجًا لافتًا حيث كان أحمد الشرع — الذي أسقط نظام الأسد وأمسك بزمام المرحلة الانتقالية — مصنَّفًا إرهابيًا في سجلات الاستخبارات الغربية قبل سنوات قليلة فحسب.

ما الذي قد يدفع هذا التحول؟ أعتقد أن الإجابة تكمن في إدراك تراكمي بأن “الخلافة العالمية” حلم لن يتحقق، وأن السكان المحليين يريدون شيئًا مختلفًا — أمانًا، هوية، اعترافًا — لا أممية جهادية مجردة. حين تدرك الحركة المسلحة أن الهوية الأزوادية أقوى من الهوية الجهادية في وجدان السكان، قد يكون ذلك كافيًا لإطلاق هذا التحول.

الكسب لكلا الطرفين واضح: جناح القاعدة يكسب شرعية محلية وقبولًا قبليًا كانا يفتقدهما دومًا. وجبهة تحرير أزواد تكسب قوة عسكرية وخبرة قتالية وشبكات تمويل تعوض ضعفها التاريخي. هذا التكامل، على ورق، منطقي تمامًا.

لكن لأكن واضحًا بشأن شروط النجاح، لأنها صعبة وتكاد تكون قاسية. أولها: التخلي الحقيقي — لا الشكلي — عن الجهاد العالمي. قطع الصلات مع القاعدة المركزية، وقف الهجمات الخارجية، وتبني خطاب سياسي قائم على الحقوق لا على الأممية الدينية. بدون ذلك لن تأتي أي شرعية دولية. وثانيها: بناء تحالف داخلي حقيقي يتجاوز الطوارق — إذ أزواد تضم عربًا وفولانيين وسونغايين، وأي مشروع يتحول إلى “دولة طوارق حصرية” محكوم عليه بالفشل السريع. وثالثها: التفاهم مع الجزائر التي تمثل اللاعب الإقليمي الأهم، والتي قد تقبل بحكم ذاتي موسع إذا ضمنت ألا يصبح الكيان الجديد مصدرًا لزعزعة استقرارها.

لكن حتى في أفضل سيناريوهاته، أتوقع أن تكون النتيجة “دولة بحكم الأمر الواقع” لا دولة معترفًا بها دوليًا — أشبه بأرض الصومال التي تدير شؤونها باستقلالية حقيقية منذ عقود دون أن يعترف بها أحد رسميًا. هذا ليس نصرًا كاملًا، لكنه أفضل بكثير من دوامة الحرب اللانهائية.


ما الذي يفرق بين السيناريوهين حقًا؟

حين أقارن بينهما، أجد أن الفرق الجوهري ليس في القوة العسكرية ولا في حجم التمويل. الفرق يكمن في السؤال: هل هذا المشروع يريد أن يحطم نظامًا أم أن يبني كيانًا؟

التنظيمات الجهادية تتقن الأول. تاريخها في منطقة الساحل وأفغانستان والعراق وغيرها يثبت أنها تستطيع تفكيك الدولة وإرباك المشهد، لكنها حين تحاول الحكم تصطدم بأسئلة لا تملك لها إجابات: كيف تدير المياه؟ كيف تطعم السكان؟ كيف تُسوي النزاعات القبلية؟ كيف تبني اقتصادًا؟

الحركات القومية في المقابل — حتى المسلحة منها — تحمل في داخلها بذرة الدولة: هوية جامعة، مطالب سياسية قابلة للتفاوض، وشعور بالانتماء إلى جغرافيا بعينها لا إلى أمة دينية مجردة. هذه البذرة هي ما يفتقده الجهادي، وما يمتلكه القومي حتى وهو يحمل السلاح.

منطقة الساحل اليوم على مفترق طرق حقيقي. والمسارات المتاحة ليست بالضرورة تلك التي نختار رؤيتها في نشرات الأخبار. السيناريو الأول مرعب ومحتمل إذا أخطأت السياسات الإقليمية. والسيناريو الثاني صعب لكنه ليس مستحيلًا إذا توافرت الإرادة السياسية المحلية والضغط الدولي في الاتجاه الصحيح.

ما أعرفه يقينًا هو أن الحلول العسكرية وحدها لن تكفي — ولم تكفِ يومًا. ومنطقة الساحل بحاجة إلى من يفكر في “اليوم التالي” قبل أن يفكر في “الضربة القادمة”.


abdellahi.hamd@gmail.com
عرض جميع مقالاته →

مقالات ذات صلة

اتحاد الادباء.. نشاط مشهود يغالب ترهل الإبداع

بقلم : الولي سيدي هيبه..في ظل غياب نقد مؤسسي صارم، يظل الأديب والكاتب أسيري فراغ ثقافي لا يكافئ...

9/5/2026 15:48 0

وفرة عناوين الخفوت في الشعر بين الشجن وضعف إنتاج الضوء

بقلم : الولي سيدي هيبه ..وفي ظل نقد “خجول” لا يمنح التجارب الجديدة شرعيتها، تميل الكفة إلى منطقة...

4/5/2026 12:24 0

استراتيجية مختلفة بدأت من كيدال هذه المرة

في تطور لافت للمشهد العسكري في المنطقة، تمكنت، اليوم فاتح مايو، الحركات المسلحة، وتحديداً تحالف جبهة تحرير أزواد...

1/5/2026 16:16 0
اترك تعليقاً