رئيس الجمهورية والجاليات الموريتانية.. اعتزاز بالانتماء وشراكة في صناعة المستقبل
بقلم : الولي سيدي هيبه
من أهم رسائل خطاب رئيس الجمهورية في منتدى الجاليات الموريتانية في الخارج أن تقدير أبناء الوطن في الخارج ينبغي أن يقترن بالإنصات إلى انشغالاتهم، والاهتمام بمصالحهم، وتيسير شؤونهم، وإشراكهم في رسم السياسات التي تعنيهم. فالتقدير الحقيقي لا يقف عند حدود الكلمات، بل يتجسد في حماية الحقوق، وتحسين الخدمات، وفتح أبواب المشاركة، وتوفير الظروف التي تجعل المواطن في الخارج يشعر بأن وطنه حاضر معه، وأن جهوده وخبراته محل اهتمام واعتبار.
حمل خطاب رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني بمناسبة افتتاح النسخة الأولى من منتدى الجاليات الموريتانية في الخارج أبعادا وطنية وسياسية وتنموية تجاوزت الطابع البروتوكولي للمناسبة، ليطرح تصورا متكاملا لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة ومواطنيها المقيمين خارج الحدود، على أساس الانتقال من رابطة الانتماء الوجداني إلى شراكة مؤسسية قوامها الاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات، وتثمين الأدوار، والمشاركة في صياغة المستقبل الوطني.
وبالطبع برزت أهمية الخطاب في أنه لم يتعامل مع الجاليات باعتبارها مجرد امتداد ديمغرافي للمجتمع الموريتاني في الخارج، أو مصدرا للتحويلات المالية والدعم عند الأزمات، بل قدمها بوصفها رصيدا وطنيا استراتيجيا يستحق التقدير والاهتمام، ويمتلك من الخبرات والكفاءات والعلاقات والإمكانات ما يؤهله للإسهام في تعزيز حضور موريتانيا وتطوير اقتصادها ومؤسساتها وتوسيع آفاق تنميتها. وهي رؤية تعكس إدراكا لمكانة هذه الشريحة من المواطنين، ولما يمكن أن تضطلع به من أدوار في خدمة الوطن، حتى وهي تمارس حياتها المهنية والاجتماعية خارج حدوده الجغرافية.
واستهل رئيس الجمهورية خطابه بالتأكيد على قوة الرابطة التي تجمع الوطن بأبنائه مهما تباعدت المسافات واختلفت بلدان الإقامة، وهي بداية تحمل دلالة رمزية عميقة، لأنها تجعل الانتماء الوطني أساسا للعلاقة بين الدولة والجاليات، بعيدا عن الاعتبارات الجغرافية أو اختلاف المسارات المهنية والاجتماعية.
غير أنه لم يقف عند حدود استدعاء العاطفة الوطنية، بل سعى إلى تحويلها إلى التزام متبادل، حين أكد أن الإقامة خارج الوطن لا تنتقص من حقوق المواطنين ولا تعفي الدولة من مسؤولياتها تجاههم، كما أنها لا تعفيهم من واجباتهم تجاه وطنهم والمشاركة في قضاياه التنموية وصون سمعته ووحدته.
وتكمن أهمية هذا التوازن في أنه يؤسس لمفهوم متكامل للمواطنة، لا تختزل فيه الحقوق في المطالب، ولا تتحول فيه الواجبات إلى التزامات أحادية الجانب، وإنما تقوم العلاقة على مسؤولية مشتركة بين الدولة ومواطنيها أينما كانوا. ومن شأن هذا التصور أن يعزز ثقة الجاليات في مؤسسات بلدها، ويؤكد أن المواطن لا يفقد مكانته أو حقه في المشاركة بمجرد انتقاله للإقامة خارج الوطن.
وفي هذا السياق، برزت جلية أهمية التقدير الذي خص به رئيس الجمهورية أبناء الجاليات، حين عبر عن اعتزاز الدولة بهم، واستحضر ما قدموه من إسهامات في خدمة بلدهم، مؤكدا أن حضورهم في الخارج لا ينتقص من ارتباطهم بموريتانيا ولا من قيمتهم في مشروعها الوطني. فالتقدير هنا ليس مجرد تعبير بروتوكولي، وإنما اعتراف بمكانة مواطنين يمثلون امتدادا بشريا وثقافيا واقتصاديا للبلاد، ويحملون صورتها إلى العالم من خلال سلوكهم وعملهم ونجاحاتهم ومساهماتهم المختلفة.
ومن أبرز الجوانب التي تستحق التوقف عندها في الخطاب أن الرئيس لم يكتف بالترحيب بالمشاركين أو الإشادة بحضورهم، بل استحضر نماذج من وفائهم للوطن، وفي مقدمتها مواقفهم خلال جائحة كوفيد-19، حين بادروا إلى دعم بلدهم بما توفر لديهم من إمكانات ومهارات وعلاقات. وقد شكل هذا الاستحضار إقرارا بأن الرابطة الوطنية تظل حاضرة وفاعلة مهما ابتعدت المسافات، وأن الانتماء الحقيقي يتجلى في المواقف والمبادرات، ولا يقاس بمكان الإقامة وحده.
إن تقدير الجاليات يكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الرصيد الذي تمثله؛ فهي تضم علماء ومثقفين وأطباء ومهندسين ورجال أعمال وأطرًا وخبرات متعددة، راكمت تجارب مهنية وعلمية في بيئات مختلفة، وأصبحت تمتلك شبكات من العلاقات والمعارف يمكن أن تسهم في فتح آفاق جديدة أمام البلاد. كما تؤدي دورا مهما في التعريف بموريتانيا وثقافتها وقيمها، وتعزيز حضورها في المجتمعات التي تقيم فيها.
ومن ثم، فإن تثمين هذه الأدوار لا ينبغي أن يظل محصورا في الإشادة المعنوية، على أهميتها، بل يتعين أن يترجم إلى سياسات ومبادرات تتيح الاستفادة من الكفاءات، وتحفظ الحقوق، وتيسر التواصل، وتفتح المجال أمام المشاركة في الحياة الوطنية. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم حرص رئيس الجمهورية على تخصيص منتدى وطني للجاليات، باعتباره تعبيرا عن إرادة سياسية للاعتراف بمكانتها وإشراكها بصورة أكثر انتظاما في مسارات التفكير والتخطيط والتنمية.
وكان أبرز ما ميز الخطاب استحضاره للإجراءات التي اتخذتها الدولة خلال السنوات الماضية لمعالجة جملة من الإشكالات التي تواجه الموريتانيين في الخارج، بدءا بإعادة تنظيم القطاع المكلف بالشؤون الخارجية وإبراز اختصاصه المتعلق بالجاليات، مرورا بتعديل قانون الجنسية بما يسمح بازدواجيتها وفق الضوابط القانونية، وتعزيز التمثيل السياسي للجاليات من خلال انتخاب نوابها بصورة مباشرة، وصولا إلى تحديث الخدمات القنصلية ورقمنتها عبر تطبيق “هويتي”.
ولا تكمن أهمية هذه الإجراءات في تعددها فحسب، بل في طبيعة التحول الذي تعكسه؛ إذ تشير إلى إرادة الانتقال من معالجة الملفات بصورة متفرقة إلى بناء إطار مؤسسي أكثر قدرة على استيعاب احتياجات المواطنين في الخارج، وتوفير قنوات منتظمة للتواصل معهم، وتعزيز حضورهم في الحياة العامة. كما أن الإشارة إلى تطبيق «هويتي» تبرز أهمية التحول الرقمي في تقريب الإدارة من المواطن، وتجاوز بعض العراقيل المرتبطة بالوثائق المدنية والخدمات القنصلية، بما ينعكس على سرعة المعاملات وشفافيتها وفعاليتها.
ومع ذلك، لم يقدم الرئيس هذه التدابير باعتبارها نهاية المسار أو دليلا على اكتمال معالجة الإشكالات، بل أقر بأن الجهود القائمة، على أهميتها، لا تزال بحاجة إلى مقاربة تشاركية قادرة على إنتاج حلول شاملة ومستديمة. وهذه المصارحة تمنح الخطاب بعدا واقعيا، لأنها تميز بين ما تحقق من خطوات وما لا يزال مطروحا من تحديات، وتفتح المجال أمام تقييم السياسات العمومية على أساس نتائجها العملية.
اكتسب تنظيم النسخة الأولى من منتدى الجاليات الموريتانية في الخارج أهمية خاصة باعتباره محاولة لإرساء تقليد مؤسسي للحوار المباشر بين الدولة ومواطنيها في الخارج. فالمنتدى، وفق التصور الذي عرضه الرئيس، ليس مناسبة احتفالية أو لقاء عابرا لتبادل المجاملات، وإنما فضاء للتشاور وتحديد الأولويات وتشخيص المشكلات وصياغة المقترحات المتعلقة بالحقوق والخدمات والاستثمار والمشاركة في التنمية.
وتجلت أهمية هذه المبادرة أيضا في بعدها الاعتباري، إذ إن تخصيص لقاء وطني بهذا المستوى للجاليات يحمل رسالة واضحة مفادها أن الدولة تنظر إلى مواطنيها في الخارج باعتبارهم شركاء في الشأن العام، وأن تجاربهم ومقترحاتهم تستحق أن تجد مكانها في النقاش الوطني وصناعة السياسات العمومية. كما أن حرص الرئيس على التحضير المتقن للمنتدى، وإشارته إلى ما تطلبه ذلك من وقت، يعكسان أهمية الإعداد المؤسسي في إنجاح مثل هذه المبادرات، والحاجة إلى أن تكون العلاقة مع الجاليات قائمة على التنظيم والاستمرارية لا على التواصل في المناسبات المهمة.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا المنتدى ستظل مرتبطة بقدرته على تجاوز النقاشات العامة إلى بلورة توصيات قابلة للتنفيذ، وتحديد الجهات المسؤولة عن متابعتها، ووضع آليات واضحة لتطبيقها، حتى لا تتحول مخرجاته إلى مجرد وثائق إضافية في أرشيف اللقاءات الوطنية.
ومن الزوايا اللافتة في الخطاب أن الرئيس وسع دائرة الأدوار المنتظرة من الجاليات، فلم يحصر مساهمتها في التحويلات المالية أو الدعم الاجتماعي، بل وجه دعوة صريحة إلى رجال الأعمال والمستثمرين للاستفادة من الفرص التي يتيحها الاقتصاد الوطني، والمساهمة في خلق فرص العمل ونقل التكنولوجيا ودعم التنمية المحلية، كما دعا الكفاءات الموريتانية إلى الإسهام في تطوير المؤسسات وتعزيز البحث العلمي والابتكار.
وتكشف هذه الدعوة عن توجه نحو استثمار الرصيد البشري الموريتاني في الخارج باعتباره أحد الموارد الاستراتيجية التي يمكن أن تسهم في تنويع الاقتصاد الوطني وتحديث أدواته الإنتاجية والإدارية. فالمهاجرون لا يحملون معهم الأموال وحدها، وإنما يحملون أيضا تجارب مهنية ومعارف تقنية وشبكات علاقات دولية يمكن توظيفها في إقامة الشراكات ونقل الخبرات وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات والاستثمارات الموريتانية.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة يقتضي توفير بيئة استثمارية مطمئنة، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز الضمانات القانونية، وتطوير آليات مواكبة المستثمرين من أبناء الجاليات، فضلا عن وضع صيغ عملية لتسهيل التحويلات المالية والمعاملات التجارية. ومن هنا تبرز أهمية المقترحات التي دعا الرئيس المشاركين إلى تقديمها، باعتبارها مدخلا لتطوير سياسات أكثر استجابة لاحتياجاتهم وتطلعاتهم.
ومن اللافت أن الخطاب لم يغفل مطلقا البعد الثقافي والاجتماعي والسياسي لدور الجاليات، حين دعا أفرادها إلى أن يكونوا قوة بناء ورافدا للنهضة وسياجا يصون وحدة الوطن ولحمة أبنائه، في مواجهة حملات التشويه ودعاة الفرقة والشقاق. وهي دعوة تتجاوز مسألة تحسين صورة البلاد في الخارج إلى التأكيد على أن الموريتانيين، أينما أقاموا، يظلون شركاء في مسؤولية الحفاظ على تماسك مجتمعهم وصيانة رصيده المشترك.
كما أن استحضار الرئيس للدور الذي أداه المهاجرون الموريتانيون خلال أزمة جائحة كوفيد-19 لم يكن مجرد استعادة لذكرى تضامنية، بل جاء باعتباره نموذجا عمليا لما يمكن أن تحققه الجاليات حين تتوفر الإرادة وتلتقي الروابط الوطنية مع القدرة على المبادرة. وقد أضفى هذا الاستحضار على الخطاب بعدا إنسانيا، وربط بين الوفاء للوطن في أوقات المحن والمشاركة في بنائه خلال مراحل التنمية والاستقرار.
بكل هذا يكون خطاب رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، قدم تصورا يتسم بالشمول والتوازن للعلاقة بين موريتانيا وجالياتها في الخارج، ويجمع بين الاعتزاز بالانتماء الوطني، والاعتراف بالحقوق، والتأكيد على الواجبات، وتثمين الأدوار، واستثمار الكفاءات، وتعزيز المشاركة السياسية والاقتصادية والثقافية. كما يعكس توجها نحو جعل الجاليات جزءا فاعلا من المشروع الوطني، لا مجرد جمهور يستدعى في المناسبات أو عند الحاجة.
وتبقى من أهم رسائل الخطاب أن تقدير أبناء الوطن في الخارج ينبغي أن يقترن بالإنصات إلى انشغالاتهم، والاهتمام بمصالحهم، وتيسير شؤونهم، وإشراكهم في رسم السياسات التي تعنيهم. فالتقدير الحقيقي لا يقف عند حدود الكلمات، بل يتجسد في حماية الحقوق، وتحسين الخدمات، وفتح أبواب المشاركة، وتوفير الظروف التي تجعل المواطن في الخارج يشعر بأن وطنه حاضر معه، وأن جهوده وخبراته محل اهتمام واعتبار.
ومن هنا، فإن الاختبار الأهم لهذه الرؤية لن يكون في مضامين الخطاب وحدها، مهما حملت من رسائل إيجابية، وإنما في قدرة المؤسسات المعنية على ترجمتها إلى برامج عملية، وفي مدى انتظام التواصل مع الجاليات، وفاعلية الخدمات القنصلية، وسرعة معالجة الملفات العالقة، وتوفير الضمانات التي تشجع على الاستثمار والمساهمة في التنمية. فالثقة المتبادلة تتعزز حين يلمس المواطن أن حقوقه مصونة، وأن صوته مسموع، وأن مقترحاته تجد طريقها إلى التنفيذ.
وبذلك يمكن النظر إلى المنتدى الأول للجاليات الموريتانية في الخارج باعتباره بداية مسار مؤسسي جديد، تتوقف أهميته على استمراريته وقدرته على إنتاج حلول قابلة للقياس والتقييم. وإذا ما نجح في إرساء آليات دائمة للتشاور والمتابعة، فإنه قد يشكل إضافة نوعية إلى مسار بناء الدولة، ويحول الانتشار الموريتاني في الخارج من مجرد واقع جغرافي واجتماعي إلى قوة وطنية منظمة، تسهم بخبراتها وإمكاناتها في تعزيز مكانة البلاد وصناعة مستقبلها.
وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من كونها تنظر إلى الهجرة باعتبارها امتدادا للحضور الوطني خارج الحدود، وفرصة استراتيجية لتوسيع دائرة المشاركة في التنمية، والاستفادة من الرصيد البشري والعلمي والاقتصادي الذي يمثله الموريتانيون في الخارج، بما يمتلكونه من خبرات وتجارب وعلاقات مهنية وتجارية تراكمت عبر سنوات من العمل والإقامة في بيئات دولية متنوعة. كما تعكس وعيا رئاسيا بأهمية هذه الجاليات في التعريف بموريتانيا، وإبراز رصيدها الحضاري والتاريخي، والحفاظ على إشعاعها في محيطها الإقليمي والدولي، وتعزيز قدرتها على خدمة المصالح الوطنية والدفاع عنها في مختلف الفضاءات التي يحضر فيها أبناؤها.
ومن هذا المنطلق، جاء تأكيد رئيس الجمهورية على أن تنظيم المنتدى يعكس إرادة وطنية للارتقاء بالعلاقة بين الدولة ومواطنيها في الخارج إلى مستوى أكثر تنظيما وفعالية، يقوم على التشاور المستمر، وصون الحقوق، وتيسير الخدمات، وتعبئة الكفاءات، وتوسيع فرص المشاركة في التنمية الوطنية. وهي مقاربة تتجاوز النظرة التقليدية إلى الجاليات بوصفها فئات تحتاج إلى الرعاية القنصلية والإدارية، لتمنحها موقعا أكثر فاعلية في معادلة التنمية، باعتبارها شريكا في نقل الخبرات، واستكشاف الفرص، وتوسيع شبكات التعاون، وتعزيز صورة البلاد ومكانتها.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الكبير الذي تضطلع به وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والموريتانيين في الخارج في تنظيم هذا المنتدى، بما يعكس أهمية العمل الذي تقوم به لترجمة التوجيهات الرئاسية إلى مبادرات مؤسسية تفتح آفاقا جديدة للتواصل مع الجاليات، وتتيح الاستماع إلى انشغالاتها وتطلعاتها، وتؤسس لآليات أكثر انتظاما في متابعة قضاياها وتعزيز صلتها بالوطن. ولا تقتصر أهمية هذا الجهد على حسن الإعداد والتنظيم، بل تتجلى كذلك في توفير إطار وطني جامع يلتقي فيه ممثلو الموريتانيين في الخارج لتبادل الرؤى والخبرات، ومناقشة سبل تطوير إسهامهم في مسيرة البلاد، في ظل تصور يجعل الدبلوماسية أكثر انفتاحا على الطاقات الوطنية الموجودة خارج الحدود.
ويؤكد هذا الدور أن العناية بالجاليات لم تعد شأنا قنصليا محدودا، بل أصبحت جزءا من رؤية أوسع للسياسة الخارجية، تتكامل فيها حماية حقوق المواطنين ومصالحهم مع توظيف الروابط الثقافية والاجتماعية والمهنية في تعزيز الحضور الموريتاني دوليا. فالموريتانيون في الخارج، بما راكموه من تجارب ومعارف وعلاقات، قادرون على الإسهام في التعريف ببلدهم وتاريخه، وإبراز خصوصيته الحضارية، وتصحيح الصور النمطية عنه، وفتح مسارات جديدة للتعاون والاستثمار، بما يعزز المصالح الوطنية ويمنح إشعاع موريتانيا التاريخي امتدادات معاصرة تتناسب مع تحولات العالم وتحدياته.
كما يشكل المنتدى مناسبة لإعادة تأكيد أن صون المصالح الوطنية لا يقع على عاتق المؤسسات الدبلوماسية وحدها، على أهمية مسؤولياتها، بل يستفيد أيضا من مساهمة المواطنين الموريتانيين في الخارج، ومن قدرتهم على بناء جسور التواصل مع مجتمعات الإقامة ومؤسساتها وفعالياتها الاقتصادية والثقافية. ومن ثم، فإن تعزيز هذه المساهمة يقتضي استمرار التشاور مع الجاليات، وتطوير الخدمات القنصلية، وتثمين كفاءاتها، وإشراكها في المبادرات الوطنية، وتوفير قنوات دائمة للتواصل معها، بما يجعل ارتباطها بالوطن قوة فاعلة في التنمية والإشعاع والدفاع عن المصالح المشتركة.
إن القيمة الاستراتيجية لمنتدى الجاليات الموريتانية في الخارج تكمن، في نهاية المطاف، في ما يؤسس له من تحول في فلسفة العلاقة بين الدولة ومواطنيها في المهجر، وفي ما يتيحه من فرصة للانتقال من الاهتمام المناسباتي إلى العمل المؤسسي المستدام. وإذا كانت توجيهات رئيس الجمهورية قد منحت هذا المسار زخمه السياسي ورؤيته الوطنية، فإن الجهد التنظيمي والمؤسسي لوزارة الخارجية يمثل ركيزة أساسية في تحويل تلك الرؤية إلى برامج وممارسات ملموسة، تضمن استمرارية التواصل، وفعالية التنسيق، وحسن استثمار الطاقات والخبرات.
وبذلك، يغدو المنتدى أكثر من لقاء جامع لممثلي الجاليات؛ إنه تعبير عن إرادة وطنية ترى في الموريتانيين أينما وجدوا جزءا لا يتجزأ من حاضر البلاد ومستقبلها، وتؤمن بأن الانتماء الوطني لا تحده الجغرافيا، وأن الحفاظ على إشعاع موريتانيا التاريخي وتعزيز مكانتها وصون مصالحها مسؤولية مشتركة تتكامل فيها جهود الدولة ومؤسساتها مع مبادرات أبنائها في الداخل والخارج
