إلى متى يعود الحوار ؟
رسالة مفتوحة إلى الماليين والازواديين

7 مايو 2026 19:35 1 دقيقة للقراءة 0 تعليق
إلى متى يعود الحوار ؟<br>رسالة مفتوحة إلى الماليين والازواديين

بقلم د محمد أغ محمد

استهلال:

أنا – كأي واحد من أصحاب الأصول المالية الازوادية – عشت تفاصيل المأساة التي كابدها ذلك القطر من أقطار العالم الإسلامي من ضياع وتشريد وتهجير وخوف… وظلَّ أملي الأكبر هو طيف حلم يحملني لسرير الذكريات، والنوم في قرية الأهل هانئاً ولو لليلة واحدة !
ولعل أقسى المعاناة التي يمكن أن يتخيلها المرء هو أن يصبح البوح عن المشاعر أقصى أمنية! والنوم في مكان الميلاد حلما صعب المنال !
بينما يواصل المجتمع الرأسمالي ضحكاته الجافة وهو يتبختر بمرحٍ على دموع الأمهات، وصرخات الأيتام، وأنات الجياع المنكوبين ….
قضيتٌ سنين وأنا أكبح شهية الكلام، وأتجنب حتى الحوارات الخاصة في كثير من مواضيع الصراع الحالي الذي فتح ابواب الجحيم على المنطقة منذ أن وضع بذرته الاولى المستعمر الفرنسي، ذلك لأن انوار العقل انطفأت، وأزهار الروح احترقت فلم يبق سوى الضباب والتيه السرمدي !

لكني هذه المرة أجزتٌ لنفسي هذا الإثم، إثم البوح ! فأرى نفسي معنياً أكثر من اي وقت مضى لأنصح اولي الألباب حصراً، ولا أجيز لغيرهم قراءة رسالتي فضلا عن تأويلها.

الموضوع:

لكل رسالة موضوعٌ ما لكن رسالتي مفتوحةٌ، تسابقت عدة موضوعات إليها بإلحاح مثل: الدعوة للحوار، أهمية السلام، العودة للرشد ولو مؤقتاً، إيقاف نيران الفتن فوراً، أهمية التحليل المنطقي للواقع…. الخ
كل موضوع من هذه أردتّ أن يكون عنوانا لرسالتي لكن رغم أهميتها أجدها كلها بلا جدوى لأن المرسل اليه لن يعتبرها سوى ما يسميه البلاغيون ب لازم الفائدة، ويسميه النحاة غير كلام ! فلا يلوح في الأفق سوى الإمعان في غياهيب الازمات والضياع لعوامل طبيعية منها:

اولا:اختزال المشكلة:

إن كل من يحاول اختزال المشكلة المالية الازوادية في قضية واحدة سياسية او اقتصادية او اجتماعية فسيظل واهماً إلى الأبد.
يوم استعادة الجيش المالي لكيدال أجريت حوارا مع بعض الأصدقاء من مالي رأيته منتشيا في حالة من الاحتفال البهيج وقلت له: أنا شخصيا رغم كون حلمي الاول أن أحتسي كأسا من الشاي في قريتي المهجورة آمنا مطمئنا رغم ذلك لا أرى سببا للاحتفال اليوم وقال لي: خلاص كل شيء انتهى طالما استرجعنا كيدال من المتمردين والارهابيين فالمشكلة انتهت !
أصابني رعبٌ كبير وأنا أنظر اليه يتحدث وهو يذكرني تماما بمنطق شخص شاهد بيتا يحترق ثم قطع قطعة من النافذة ورماها في لهيب آخر بالجوار ثم ابتهج قائلا وهو يشاهد شظايا الحريق تتصاعد إلى السماء: الحمد لله انتهت المشكلة ! فأوقفت النقاش معه لأني أعلم ان اغلب الماليين شمالا وجنوبا يختزلون هذه المسألة هكذا وطالما هم لا ينظرون إلى أبعادها وأسبابها الواقعية بصدق فستظل !

ثانيا: تنوع أسباب الصراع وأبعاده:

المسألة الازوادية المالية هي عبارة عن فسيسفساء من التعقيدات المتداخلة، احتضنت في عمقها كل أسباب الفتن في الدنيا مجتمعة: السياسة والثقافة، العرق والأيديولوجيا. الجغرافيا والاقتصاد …. لذلك تتسابق اليها المصالح والتيارات والاتجاهات…. وكأن لعنة الجغرافيا ما زالت تلاحق سكان الصحراء إلى الأبد.
إن المقاربات السياسية، والمتطلبات الثقافية التاريخية، والأهداف الايديولوجية المختلفة لأطراف النزاع من جوانب عرقية ورؤى دينية، في ظل مطامع في الموارد الطبيعية التي تخبّئها أرحام الصحراء … إن كل هذه الأبعاد يجب الاعتراف بها اولا ثم النظر اليها بعين مجردة من اية قراءة اخرى للنوايا وبكامل الموضوعية.
أما تجاهل هذه الجذور والحديث دوما عن الأعراض والانتباه لبعض التفاصيل الجانبية فقط فهو تنويم مؤقت للجميع لن يجلب سوى اطالة العمر الافتراضي للمسألة.
خاصة في ظل انعدام الثقة بين كل الأطراف اليوم.

ثالثا: انعدام الثقة وغياب الوسطاء:

في المراحل الماضية من هذا الصراع التاريخي الذي ورثناه كقميص الفتن كان الأمل دوما معلقا على جهات اخرى يوثق بها كلما اشتدت الأوضاع أكثر وكلها لم تعد متاحة اليوم وعلى سبيل المثال:
١ . زعماء القبائل وشيوخ العلم:
كمرجعيّة ثابتة مؤثرة اعتادت السلطات القديمة الاستناد إلى هؤلاء من أجل تمرير اية رؤية حتى في عهد الاستعمار الفرنسي إلى الرئيس المخلوع توماني توري أ ت ت، وقد تم القضاء على هذه الفرصة بنفس الرصاصة التي أزاحت أ تي تي عن الكرسي.
٢ . القذافي:
ظل القذافي طيلة حكمه مصدر ثقة فعال لدى الماليين والازواديين معا وحافظ على إقناع الجميع بالحوار والسلام إلى أن قضى نحبه، ولم يحقق هذا إلا لأنه يظهر دعما سخيا بشكل او بآخر لكلا الطرفين.
٣ . بليز كومباوري:
شاءت الأقدار أن الرئيس البوركيني السابق ورث بأسلوب ما، فتمكن بحنكته السياسية أن يهيئ الأجواء لحوار صريح بين الأطراف باعتباره وسيطا موثوقا به وما انتهى اليه أمره هو الاخر معلوم.
٤ . الجزائر:
رغم أن الجزائر قد يعينها الملف بحكم الجغرافيا والديموغرافيا لدرجة تجعلها شبه طرف في الأزمة إلا انها في العقود الماضية نجحت في اكتساب ثقة الأطراف جميعا وتحييد كل الوسطاء المحتملين، ولا شك أن جهدها في ادارة الملف كاد يحدثا فرقا ميدانيا لصالح الاستقرار إلا النظام الجديد فجأة أعاد الصراع إلى الوراء سنين بسبب إلغائه لاتفاقية الجزائر مما أعدم آخر طرف موثوق يمكن الاعتماد عليه لتقريب وجهات النظر!

الملخص:

إن اختزال المشكلة في حلول جزئية مثل تحرير مدينة واحدة بينما الجماعات الإسلامية والحركات الانفصالية تتحرك في البلد كله شمالا وجنوبا ووسطا، في ظل تنوع أسباب الصراع، وتشابك أبعاده مع انعدام الثقة بين الأطراف المتصارعة كلها، وغياب اي وسيط حالا … ان هذا ليس حلا أبدا لمشكلة دامت عقودا من الزمن ما إن نظنها ماتت حتى نراها تتجدد بشكل أقوى من الأشواط الماضية.

الخاتمة:

طالما قادة الجانب الأزوادي يمدون أيديهم إلى الحوار والنقاش على طاولة المفاوضات وإذ أشجعهم اكثر على اختيار مسار الصلح فإني أدعو اولي النهى من العلماء والمثقفين والسياسيين في مالي إلى قبول اليد الممتدة للصلح عبر حوار اخوي صادق سيحقق الاستقرار والازدهار للجميع وننام نحن جميعا في قرانا التي أرَّق الشوق اليها مضاجعنا.

الخميس 07/05/2026

المدير الناشر
عرض جميع مقالاته →

مقالات ذات صلة

نفوذ روسي متصاعد في مالي يثير الجدل وسط تعزية إقليمية وتضارب ميداني

استقبل رئيس المرحلة الانتقالية في مالي، الجنرال عاصيمي غويتا، وفدًا مشتركًا من النيجر وبوركينا فاسو، في إطار تحرك...

1/5/2026 15:10 0

ذكاء نسائي ام ذكاء صناعي؟

شر فتني صاحبة الفخامة الدكتورة مريم بنت محمد فاضل ولد الداه السيدة الاولى بدعوة لحضور حفل انطلاق “المبادرة...

22/1/2026 14:56 0

أزواد بين التصعيد العسكري وإعادة تشكل التحالفات.. هل تدخل مالي مرحلة الحسم؟

تشهد منطقة أزواد تطورات متسارعة تعكس تحولات عميقة في المشهدين العسكري والسياسي، بعد الأسابيع الأخيرة التي حملت تغيرات...

7/5/2026 21:25 0
اترك تعليقاً